لا شك أن المحاكمات في كوبلنز التي طالت موظفين سابقين في أجهزة الأمن السورية لاقت زخمًا كبيرًا في الشارع السوري، أفرزت حالة من الترحيب مرة والريبة والشك مرات أخرى، إن الترحيب بالمحاكمات الناتج من رغبة كبيرة بالعدالة وشعور تمنٍّ ملازم للسوريين بأن العدالة قد تكون آتية إلى سوريا حقًّا، هذا الترحيب كان خجولًا ومتوجسًا؛ أولًا لانقطاع الأمل بإمكانية تحقيق العدالة في سوريا نتيجة التراخي الدولي في التعامل مع نظام الإبادة في دمشق، كذلك لوصولنا كسوريين لحالة من عدم الثقة في المؤسسات والمجتمع الدوليين في تحقيق نموذج عدالة شامل للضحايا. أما الشك كان متولدًا عن مجموعة أسئلة طُرحت بقوة وكان لها نصيب كبير في نقاشاتنا عن مدى عدالة جدوى المحاكمات في الوقت الحالي، أو هل يتم انتقاء الأشخاص الذين ستتم محاكمتهم ليكونوا من الشخصيات التي انشقت عن النظام وانضمت لقوى الثورة والمعارضة؟ كما حصل في قضية أنور رسلان وإياد غريب، هل هذه المحاكمات هي جزء من العدالة الانتقالية التي نطالب بها كسوريين؟ لماذا لم تبدأ برأس النظام إذًا؟

الجانب السياسي لهذه المحاكمات وآثاره هو الأكثر أهمية اليوم في الشارع السوري، كذلك مشروعية هذه المحاكمات وآلية عملها لاقت اهتمامًا كبيرًا وهو ما سهَّل إلى حدٍّ ما عملية التحليل وفهم سياق هذه المحاكمات. الثابت والأساس في هذه المحاكمات أنها ليست مندرجة ضمن عملية محاسبة ومساءلة شاملة عن الجرائم التي ارتكبت في سوريا منذ 2011 حتى اليوم، أي إننا لسنا أمام عملية محاسبة وقصاص ضمن مسار عدالة انتقالية يقوم على تقصي الحقائق وتحديد المسؤوليات ومحاكمة المجرمين، نحن أمام محاكمات فردية لمجرمين صادف وجودهم في دول أوروبية مثل ألمانيا، يجب ألا يقلل هذا من شأن المحاكمات بوصفها نوعًا من الإنصاف للضحايا الذين جرى تعذيبهم أو تغييبهم على أيدي المتهمين، بالإضافة لرمزية وقوف ضباط سابقين في المخابرات السورية أمام محاكم حقيقية يستمعون بها إلى التهم الموجهة إليهم إلى جانب شهادات الضحايا وذويهم، ويستمعون كذلك إلى الحكم الصادر بحقهم بعد استخدامهم لحقهم المشروع بالدفاع عن أنفسهم، هذا ما كان يحلم به السوريون وتلكم هي الغاية. تكسر هذه المحاكمات حصانة ضباط المخابرات السورية من المحاكمة كما تحطم الاعتقاد بأن الإفلات من العقاب حتمي ونهائي.

هذه المحاكمات تاريخية ومهمة جدًّا حيث أضافت إدانة قضائية جديدة لمؤسسة أمنية تابعة للحكومة السورية، لكنها ليست العدالة التي يريدها السوريون وليست العملية التي تقتص من الجناة وتفكك المنظومة الإجرامية القائمة في سوريا ولا تعوِّض الضحايا أو ذويهم أو تضمن عدم تكرار الجريمة، باختصار، من الضروري التفريق بين هذه المحاكمات بصفتها عملية فردية تقتص من أشخاص محددين شغلوا مناصب سابقًا في المنظومة الأمنية في سوريا وبين عملية المحاكمة، التي ندعو لها، ضمن إطار العدالة الانتقالية التي تشمل جميع المتورطين في الإجرام على رأسهم بشار الأسد.

الجهود الجبارة التي تقودها المؤسسات الحقوقية السورية في دول أوروبا التي تتبنى في محاكمها مبدأ الولاية القضائية العالمية يجب البناء عليها ودعمها، يجب ألا ننسى أن هذه الجهود أفضت إلى صدور مذكرة توقيف بحق اللواء جميل حسن أحد أكبر شخصيات الإجرام في سوريا، إضافة لملاحقة 60 شخصية متهمة باعتقال المدنيين وتعذيبهم وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، كما أن هذه المؤسسات اكتسبت التجربة في محاكماتها هذه وستكون ذراعًا أساسية مشاركة في عملية المساءلة الشاملة – في حال حصلت-.

من المؤكد أن صدور مذكرة توقيف بحق جميل الحسن يختلف عن الحكم بالسجن على أنور رسلان أو إياد غريب، هذا الذي قد يُرى على أنه تناقض أو انتقائية في عملية العدالة أو المحاكمة هو في الحقيقة التمييز بين مبدأ الولاية القضائية العالمية «البحتة» ومبدأ الولاية القضائية العالمية «المشروطة»، والأخيرة هي المتبعة في معظم المحاكمات المتعلقة في سوريا؛ أي إن الدولة التي يتم رفع الدعوى فيها تقوم بملاحقة المتهمين ممن هم موجودين على أراضيها ومحاكمتهم ولا تملك الصلاحيات نفسها مع غير الموجودين على أراضيها، لذا فإنها تكتفي بإصدار مذكرات توقيف بحقهم، وهذه ثغرة أساسية في آلية عمل المحاكم الإقليمية.

واهم من يعتقد أن هذه المحاكمات والملاحقات القضائية ستقوم بدور الرادع أو ستمنع ولو جزئيًّا نظام الأسد من الاستمرار في سلوكه الوحشي في انتهاك حقوق الإنسان، وهذه قضية يجب أن تأخذ اهتمامًا كبيرًا؛ ما فائدة استمرار الملاحقات ورموز الإجرام على رأس السلطة في سوريا؟ محاسبة مرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب يجب أن تكون ضمن عملية متكاملة وشاملة تبدأ برأس النظام ورموز السلطة التي استفحلت في قتل الشعب السوري منذ 2011 حتى اليوم، إذ إن العدالة الشاملة في سوريا لا تتحقق عبر محاكمة رئيس قسم التحقيق أو ضابط في فرع أمني واحد ضمن منظومة متكاملة تنتهج الإجرام وانتهاك حقوق الإنسان في التعامل مع الحراك المجتمعي.

يوجد لدينا اليوم 900 ألف وثيقة حكومية مهربة من سوريا قامت لجنة العدل والمساءلة الدولية بأرشفتها، تدين هذه الوثائق النظام السوري وبشار الأسد مباشرة بارتكاب جرائم حرب في سوريا، بالإضافة لصور قيصر التي توثق 11 ألف ضحية قضوا تحت التعذيب في سجون نظام الأسد، كذلك تقرير فريق التحقيق وتحديد المسؤولية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أبريل (نيسان) 2021 الذي اتهم النظام بهجوم سراقب الكيماوي وتقارير شبكات سورية محلية مدعومة بشهادات الناجين والناجيات من المعتقلات والهجمات الكيماوية وعمليات تدمير المدن الممنهجة، يضاف إليها اليوم قرارات قضائية تدين مؤسسات النظام السوري بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. هذه الوثائق إلى جانب كونها أدلة إدانة مباشرة لسلطة إجرامية ما زالت تقمع السوريين منذ 10 سنوات تعد إدانة كذلك للنظام الدولي لتقاعسه عن تحقيق العدالة في سوريا وإرساء الأمن والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد