ليس من الصعب مُطلقًا أن تُفرق بين الموز والكفتة، فهما يختلفان في الشكل والطعم والطبيعة، فروقات كثيرة بينهما، لكن ما انتبهت إليه أن الموز عنصر واحد، والكفتة مُركب ذو عناصر عديدة، الموز مُشابه تمامًا لمصدره؛ شجرة الموز تُنبت موزًا.

أما الكفتة فتختلف تمامًا عن عناصر تكوينها. الموز يفسد بذاته، أما الكفتة فيمكن لإجراء بسيط في إعدادها أن يُفسدها؛ فيمكن أن تفسد بسبب مكونات خاطئة، أو تفسد أثناء تسويتها. عامل صغير جدًّا كافٍ لإفساد المركب كله.

“جمهورية الموز” مُصطلح أطلقه الكاتب الأمريكي “أو. هنري” عام 1904 في مجموعة قصص قصيرة تجري أحداثها في أمريكا الوسطى ليُطلق على الحكومات الديكتاتورية التي تسمح ببناء مستعمرات زراعية شاسعة على أراضيها مقابل المردود المالي.

تطور استخدامه الآن ليُعبر عن تلك الدول غير المُستقرة سياسيًّا، والتي يعتمد اقتصادها على عدد محدود من المصادر يملكها عدد محدود من الأثرياء الفسدة، أنتظر أن يندثر هذا التعبير قريبًا كي يلد علم السياسة مصطلحًا جديدًا يُدعى “جمهورية الكفتة”.

في “جمهورية الموز” مجتمع فاشيّ؛ حيث الحاكم على صواب دائمًا والرأي الآخر مُخوَّنٌ دائمًا، دولة تحكمها السلطوية الديكتاتورية، يُحيط بها المستفيدون منها مباشرة، تاركين العوام لا يملكون ما يسد جوعهم أو يشفي مرضهم، نظام مبني على قمع للآراء المختلفة والمطالبة بالتغيير، يُقابلها لدى الجمهور كراهية وسخطًا على هذا النظام الحاكم والمستفيدين منه.

“جمهورية الكفتة” تمامًا كجمهورية الموز إلَّا أن حاكمها وحكومتها يحظيان بتأييد شديد رغم أنهمنا أشد بطشًا وأعظم ظلمًا.

منذ ما يُقارب الثمانية عشر شهرًا اجتمع غالب المصريين على فشل رئيس انتخبته الجماهير آملين فيه الخير لبلدهم والأمل في عيش وحرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية، وبدأت حملات في المجتمع تُطالب بإقالته وإجراء انتخابات رئاسية مُبكرة لاختيار رئيس آخر يقود البلاد لبر الأمانز

وخرج علينا قائد الجيش ليُعلن انضمامه التام للمصريين في كل الأرض، وتفهمه التام لمطالبهم، وأنه لن يكون يومًا ضد إرادة المصريين، ووصف المتواجدين في الميادين بالثوار الخائفين على مصلحة البلاد.

وأضاف أنه لا يرغب مُطلقًا في سلطة، وأنه فقط مواطن مصري يسعي لرفعة البلاد، ثم ها نحن الآن نراه في سدة الحكم، ونرى من وصفهم هو بأنهم رموز الشباب الصاعد، وثوار يخافون على مصلحة البلاد، نرى مُعظمهم خلف القضبان، بينما من ثار عليه الناس في الأساس يخرج بريئًا؛ براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

أظن أن الرؤية قد وضحت الآن، هذا الرجل قد فعل الخطوات العلمية الصريحة لتحويل مصر من “جمهورية موز” يكره الناس حاكمها الفاسد المسيطر على كل جوانبها، إلى “جمهورية كفتة” يحب الناس حاكمها رغم بطشة وظلمه.

لقد أعلن انضمامه للجماهير، ووضع نفسه مكانة البطل الجسور الـمُخلص للشعب من حاكمه الباطش الظالم، ثم أعلن أنه لا يريد الحكم في وقت لم يطلب منه أي شخص أن يتقدم للحكم، لكنه يريد للعقول التي تراه بطلاً أن تتساءل عن رفضه للحكم، فتعلوا أصوات تُرشحه فيترشح.

وضع الجمهور تحت خطر وهميّ؛ الإرهاب والمؤامرات الأجنبية لإسقاط الدولة، ويكأن ابن الخطاب يحكمنا، الخطر الذي يُبرر به كل خطاياه وقتلاه، ولأن المجتمع في أصله فاشيّ – إلَّا قليلاً – فلم يُمانع أغلب الناس من البطش بمن يُعكر صفو الحياة ويمنع تقدم البلاد، استطاع السيطرة على الإعلام، وتوجيهه إِلى ما لا يضر ولا ينفع.

فترى حلقات الجان والعفاريت، وترى أيضًا ظهور تجار المخدرات على الشاشات يتحدثون عن طبيعة عملهم دون أدنى حرج، لكنك لا يمكنك أن ترى أي عالم أو باحث أو متخصص يتحدث في أي شيء مفيد.

أصبحت الحياة الآن، إِما أن تُسبح بحمده، وإما أنك خائن، عميل لدولة أجنبية، تسعى لهدم الدولة العظيمة، ومن ثم، فمكان الثوار اللذين يُضحون بأنفسهم لبناء الوطن، السجن، وأصبح دستور الدولة “إنتو متعرفوش إنكو نور عنيا ولا إيه”! وقانونها “طَبِّل .. تَسْلَم”.

أتُرانا تحولنا الآن إلى “جمهورية كفتة”؟ بقيّ أمامنا خطوة واحدة، باقي من الزمن أقل من أسبوعين على انتهاء الـمُهلة الثانية لتشغيل الجهاز العظيم الذي يفتك بفيروس الكبد الوبائي C والإيدز والسرطان ونقص التقلية في الملوخية وقلة الإسمنت في الخلطة الخرسانية.

أثق تمام الثقة في نجاح هذا الاختراع في تحقيق أهدافة، وواثق من أنه سيُعالج المريض، وسيذيع التليفزيون الرسمي عملية علاج أول مريض بفيروس الكبد الوبائي C الذي سيتعرض للجهاز فيتحول الفيروس إلى صباع كفتة يناوله سيادة اللواء للمريض الذي يمسك به في فرح وسرور ثم يُوجه سؤاله للواء: كفتة دي ولا موز؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد