عندما كنت أزور معرض دمشق الدولي -قبيل عام2011- كنت أتجول لوقت طويل في جناح كوريا الجنوبية، التي ظلت تدهشني بمكناتها ذات الإنتاجية الجيدة، وابتكاراتها الجديدة كليًّا لسنوات طويلة، بينما أمر على جناح جارتها الشمالية الذي يحوي بضعة علب منظفات، والكثير من المجسمات لمصانع بلا منتجات، إضافة لبعض الشهادات والصور والأوسمة التي تعلق على جدران الجناح.

كان التصميم البسيط والعصري لجناح كوريا الجنوبية ملفتًا، في حين أن التكلف والقدم يظهر بوضوح على جارتها الشمالية، وكأنها أتت من عصر الخمسينات في القرن الماضي.

على الرغم من أن «مون جي إن» الرئيس الجنوبي يبلغ من العمر ما يزيد على 65 عامًا، فإن أناقته الملفتة ببزته الرسمية ذات القماش الفاخر، مع الياقة الزرقاء فوق قميص أبيض، جعلته يبدو أصغر من ذلك بكثير، في حين بدا ضيفه الشمالي «كيم جونغ أون» الذي بالكاد يزيد عمره عن نصف عمر الرئيس الجنوبي -أي لا يزيد على 35 عامًا- فقد بدا في بزة السفاري الرخيصة، ذات القماش الرديء، أكبر من عمره بكثير، ولعل مظهر الرئيسين يعكس إلى حد كبير مظهر بلديهما واقتصاديهما، إذ تبنت كوريا الجنوبية الاقتصاد الرأسمالي في الفترة التي تلت الحربين العالميتين، واعتمدت نظامًا رئاسيًّا ديمقراطيًّا، منحت فيه الحق للشعب بحرية التعبير والإبداع، ليصبح متوسط دخل الفرد لكل شخص من سكانها الذين تجاوزوا 50 مليونًا أكثر من 24 ألف دولار سنويًّا، ولتحقق معدلات نمو قياسية تتم مقارنتها بالدول الأوربية المتقدمة.

وتبنت الجارة الشمالية اقتصادًا اشتراكيًّا، مع نظام رئاسي ديكتاتوري، يعتمد على توريث الحكم، أساسه قمع الحريات وخرس كل صوت يمكن أن ينادي بالإبداع والتطوير، ويكتم على أنفاس ما يزيد عن 25 مليونًا -متوسط دخل الشخص منهم لا يزيد على ألفي دولار سنويًّا- من سكانها لتتحول بذلك إلى واحدة من أبرز الديكتاتوريات في العالم، منافسة في وضعها السياسي والاقتصادي «سوريا الأسد»، ونظام ملالي إيران، بتصدير الشعارات والأوسمة، وتهديد النظام الإقليمي والدولي، دون أن يكون للشعب أي دور في المشاركة في سياسة الدولة أو اقتصادها.

لقاء القمة اليوم يعكس كسر حالة من العزلة، عبر خلالها الزعيم الشمالي إلى كوريا الجنوبية عبر جدار لا يزيد ارتفاعه عن بضعة سنتمترات، طالبًا الانفتاح على عالم متسع يتقدم عنه مئات الكيلومترات بالمسافة والزمن، إذ تركه هذا العالم وبلده في خمسينيات القرن الماضي، عندما استولى والده على الحكم واضعًا يده الأولى بيد السوفييت، وضاربًا بيد أخرى من حديد رقاب كل من يحاول فتح فمه، إلا عند طبيب الأسنان.

لقد أدرك الديكتاتور الشمالي «كيم جونغ أون» أن أسلوبه في الحكم لن يأتي لنظامه إلا بالعزلة والتراجع، وأن ما يمتلكه من سلاح نووي وكيماوي لا يمكن أن يفيد في مواجه سلاح جديد أصبح يمتلكه كل فرد في هذا العالم، وهو معرفة حقوقه كإنسان والمطالبة بها، كما أدرك أن روسيا واتحادها «القديم- الحديث» لا يمكن أن يخرجه من عزلته أو يجعله يطور بلده، مما جعله يتخذ قرار كسر هذه العزلة التي أرهبت شعبه وأرهبت العالم.

وبما أن للطغاة والديكتاتوريين حصنهم الحصين، المتمثل بالعزلة، والصمت، والقمع، والتسلط، فإن «كيم جونغ أون» هذا أمام خيارات حتمية ومفصلية، تتمحور حول الانفتاح الكامل لبلده على قيم الحرية، والعدالة، والتطور، وبالتالي إجراء تغييرات جذرية في بلاده تجعله قائدًا حقيقيًّا لشعبه، أو أنه سيواجه انهيارًا قريبًا في بلاده يودي بها إلى إطاحة نظام حكمه الديكتاتوري عاجلًا أو آجلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد