قالو قديمًا: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، هذه المقولة تنطبق أيضًا وبقوة على السياسة وتوابعها كبناء مؤسسات الدولة ثم إعلان استقلالها، فاستعجال السياسي في قطف ثمار ما عمل عليه قبل أوانه وقبل أن تأتي الفرصة المناسبه يودي به وبعمله وبما يسعى لأجله إلى الهاوية، وربما يأتي بنتيجة عكسية ضارة.

ربما يلتبس على البعض عمر الاستعجال، فأعمار الدول تختلف جذريًا عن أعمار البشر التي جُبِل الإنسان على التفكير بها، فإذا كانت أعمار البشر الحقيقية والإنجازية تتراوح بين الثلاثين والأربعين، فأعمار الدول تبدأ من بدء استبدال الجيل القديم بالجيل الجديد أي ما يقارب الستين سنة على الأقل وليس له حد أعلى فربما يمتد سنوات طويلة جدًا ولمَا يحن موعد إعلان الدولة بعد.

ويتناسب عمر تأسيس الدولة طرديًا مع الظروف الدولية المحيطة فيزداد بزيادة استقرارها ويتناقص باضطرابها ونزاعاتها الداخلية والخارجية، تقول المعادلة الشهيرة إن الجهد بالإضافة إلى الوقت ينتج عنه الإنجاز ودائمًا ما يبقى الوقت عاملًا مهمًا وصعبًا في آن واحد، صحيح أن بإمكاننا إنقاص أحد طرفي المعادلة بزيادة الآخر ولكن يبقى لعنصر الوقت دور مهم، وفي حالة العملية السياسية يعتبر الوقت عاملًا مهمًا لا يمكن إنقاصه بسهولة وكذلك التوقيت المناسب.

في العقد الأخير شاهدنا العديد من محاولات الاستعجال السياسي في محيطنا العربي، أولها كان ترشح حركة المقاومة الإسلامية حماس للانتخابات التشريعية رغم نصح بعض المحبين بعدم دخولهم السياسة، لتظهر نتيجتها الآن في عملية المصالحة الأخيرة بين حركتي فتح وحماس بعد معاناة طويلة وقاسية لشعب غزة، وشاهدنا الاستعجال السياسي في ترشيح الإخوان لمحمد مرسي بعد فترة الثورة حيث كان الشارع يغلي ويموج وتحوَلت حركة الإخوان المسلمين من موضع المطالبة إلى موضع المساءلة والمسؤولية وكانت النتيجة كارثية بينما رأينا هدوءًا سياسيًا حكيمًا من الطرف الآخر رغم قوتهم وسيطرتهم على مقاليد الأمور، وأخيرًا وليس آخرًا استفتاء كردستان.

بالحديث عن استفتاء كردستان (والذي بدأت تظهر نتائجه الكارثية بسرعة على الإقليم، وأولها خسارة كركوك وآبارها الغنية بالنفط والتي كانت ترفد الإقليم بثلاثمائة برميل من النفط يوميًا) لا يمكنني الحديث عنه إلا بفكرة الاستعجال السياسي لبناء الدولة، ولمجرد أحلام قديمة لم تعد صالحة بمنظور هذا الزمان وهو بناء دولة على أساس عرقي، ولمجرد بناء أمجاد شخصية على حساب الشعب العاطفي وأقصد هنا مسعود برازاني.

أصبحت إصبع الجندي العراقي ثابتة وهي تضغط على الزناد موجهًا سلاحه إلى صدر عنصر البيشمركة ولسان حاله يقول عراقنا واحد ولن أسمح بانفصاله بعد أن كانت الأغاني العراقية الشعبية تدمج الجيش مع البيشمركة وتعتبرهم كتلة واحدة.

إن تبني سياسة كردستان الكبرى أو أي خطوة في هذا الطريق قد تثير نزاعًا إقليميًا يقف منه جيران كردستان الثلاثة (تركيا وإيران والعراق) موقفًا حازمًا لا مجال لأي تهاون فيه ولا يحظى بأي دعم دولي الذي بدونه لا تقوم الدول.

كانت ورقة الاستفتاء هي ورقة التوت الأخيرة التي تلوِح بها حكومة الإقليم بوجه خصومها وحلفائها، وكان الجميع يسكت عن أفعال الإقليم وتجاوزاته ويسمح له بحرية الحركة لكي لا يستعمل هذه الورقة التي لم تحسن قيادة الإقليم استخدامها، وصدَقوا خداع بعض الدول لهم في السر أنَ بإمكانهم إقامة دولة خاصة بهم.

إقليم كردستان العراق هو إقليمٌ مستقلٌ منذ عام 1990، ومستقلٌ فعليًا منذ عام 2003 ويتمتع بكل أشكال مؤسسات الدولة المستقلة عسكريًا وأمنيًا وداخليًا واقتصاديًا وبعض العلاقات الدولية أيضًا، وبعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات شاسعة من العراق عام 2013 برزت للإقليم فرصةٌ ذهبيةٌ لم يكن يحلم بها، إذ سيطر على المناطق المتنازع عليها (الغنية بالنفط) مع الحكومة المركزية في بغداد في ظل تشتت وضعف الأخيرة، ليتوِج هذه الإنجازات العظيمة باستفتاء محكوم عليه بالفشل مسبقًا، وليفوِت الكرد على أنفسهم في المستقبل القريب على الأقل أيَ تقدُم لإنشاء دولتهم التي يحلمون بها.

ربما كانت كردستان بحاجة إلى تسريع الوعي السياسي بدل استعجال سياسي عبَر عنه استفتاء على الانفصال جلب نقمة وغضب الأصدقاء والحلفاء قبل الأعداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد