عطفا على مقال سابق حول الخلط الذي حصل في تحالفات منطقتنا العربية، والتمايز السنّي الشيعي في المنطقة الذي كان عنوان الصراع العريض بين السعودية وإيران، الذي كان خجولا قبل الثورة السورية، ويعبّر عنه بصراع محوري الاعتدال والممانعة، ولكن عندما حُجر كلب الحراسة المدلل في الزاوية السورية، وصار شعار المقاومة لا يحمل التبرير الكافي لدخول سوريا بآلاف المرتزقة الطائفيين، فصار من لازمات الأمور نقل المعنى الحرفي للصراع إلى الواجهة.

لا يمكن لا لإيران، ولا للسعوية، أن تحارب بعضهما مباشرةً، فلا بدّ من التحالفات هنا وهناك، واستخدام الحروب بالوكالة، أو إغراق الطرف الآخر في مستنقعات لا يمكن الخلاص منها، ولا يخفى على عاقلٍ أنّ السبب الرئيس لهذه الحرب غير المباشرة هو تجنّب تكرار تجربة الحرب العراقية الإيرانية، واستبدالها بحروب وورطات أقلّ استنزافا للبنى الداخلية لكلّ من الدولتين.

الحلف الإيراني

تعتمد إيران على الولاءات الطائفية في استخدام الجماعات ذات التوجّه الشيعي، وتبرز كل ما بوسعها من إمكانيات تحريضية، كما أنّها تخلط بين السعودية وداعش، وتحارب دوما ما تسميه الطغيان الأموي على أتباع آل البيت، هذا الخطاب الأكثر تأثيرًا والأقرب لتحقيق الولاءات، إلى جانب الفزّاعة الوهابية التي تتذرع بها لممارسة حربها الإرهابية على أهل السنة، بينما تتكئ إيران على العكّاز الفلسطيني في باقي تحالفاتها مع المنطقة، لتبرز نفسها كالعدو الندّ للكيان الصهيوني، وتحشد بذلك ولاءات خارج الطائفة الشيعية كفصائل المقاومة الفلسطينية ودول كقطر وتركيا والجزائر وغيرها.

الحلف السعودي

يستفيد صنّاع القرار السعودي من المكانة الدينية للمملكة ومدنها، وأيضًا يستفيدون من مكانة علماء المملكة ومنابرها الدينية لما لها من أثر واضح على الساحتين العربية والإسلامية، وهذا ما كان واضحًا في حرب أفغانستان الأولى، حيث كانت السعودية رأس حربة الجهاد آنذاك، وقد أثمرت هذه السياسة المستندة إلى الموقع الديني كثيرًا،وجعلت من السعودية محور القضية السنية، أو يمكننا أن نسميها: أمريكا الشرق الأوسط، حيث لا يُرفض لها طلب.

وحتى في حرب اليمن الأخيرة وجدت السعودية تآلفا كبيرا من دول عدة، وعلى رأسها باكستان التي صرحت وزارة دفاعها أنّ المساس بالسعودية ستكون توابعه كارثية.

حتى ذلك التاريخ كانت السعودية صاحبة الكفة الأرجح في صراعها مع إيران، فجميع الملتفين حولها دول لها وزنها وقوتها وحضورها، بينما حلف إيران يضم بقايا أنظمة بائدة وعصابات وتنظيمات غير منضبطة ومعظمها مصنّف على لوائح الإرهاب الدولي، ولكن لأمرٍ – تعدّدت تفسيراته – فقدت السعودية حلفها السنّي، وليست قطر لوحدها التي انسحبت من دعم الموقف السعودي الإقليمي، فتركيا أيضا صارت علاقتها باردة مع المملكة، ومؤخّرا السودان انسحب من التحالف العربي في اليمن، وليس ببعيدٍ عنا تصريحات السيسي وتغريده خارج سرب السعودية، رافضا تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية، وعدول الحريري عن استقالته، كلّها مجتمعةً حوّلت السعودية إلى دولة ضعيفة الارتباط مع الإقليم وقضاياه.

كتحليل شخصي، وجود الإمارات ودورها الشيطاني هي السبب الرئيس لتصدّع التحالف السنّي العربي، ولا مجال لعودة هذا الحلف حتى تسقط دولة أبناء زايد، وأظنّها في طريقها للسقوط لا محالة، وسيكون سقوطها من داخلها، فمثل هذه الدول المهترئة والمتورطة بملفات عمالة كثيرة لا تصمد.

هذا هو شرقنا الأوسط، تلعب به ميليشيات إيران، وتلفحه ألسنة اللهب الانفصالي من كل جانب، ويقف الغرب متفرجًا، وينزل العربي إلى ساحة القتال بدون أن يعرف لم يَقتل ولم يُقتل، ويحتاج هذا الشرق لعقول راجحة سياسيًا، وعسكريين قادة فعليين لينهض نهضة حقيقية تواكب النهضة العالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد