في الجزء الأول من هذا البحث حكمت على قمة كوالالمبور التي انعقدت في ربيع الثاني 1441هـ بأنها وُلدت ميتة. وفي هذا الجزء الثاني أطرح مزيدًا من الأدلة على أن القمة مجرد فقاعة إعلامية.

أَيّ إسلام تمثله قمة كوالالمبور وكيف يمكنها مناصرة المسلمين حين تجعل إيران عضوًا فيها؟

كيف تنتصر قمة كوالالمبور للمسلمين المستضعفين في العالم (غالبيتهم الساحقة من أهل السُّنة)، وأحد أعضاء القمة – إيران – غاصت أيديها مباشرة في قتل المسلمين السُّنة وتشريدهم في كل مكان استطاعت الوصول إليه. فإيران شريكة أمريكا في قتل وتهجير ملايين المسلمين في العراق. وإيران حليفة روسيا ونظام الأسد في قتل وتهجير ملايين المسلمين في سوريا. وإيران تشترك مع أمريكا والإمارات والسعودية في قتل وتهجير أهل السُّنة في اليمن.

ثم لدينا تركيا المتحالفة مع إيرانَ وروسيا، والتي (أي تركيا) ثبطت كل فصائل الثورة السورية عن القتال ودفعتهم لتسليم المناطق التي حرروها في السابق واحدة تلو الأخرى.

ويبدو أن سياسة الاحتواء نفسها والتثبيط تحاول تركيا ممارستها في ليبيا، حيث كانت أول خطوة حققتها تركيا منذ تدخلها في ليبيا – بإذن من أمريكا وتنسيق معها – هو دفع حكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج بالانسحاب من مدينة سرت وتسليمها لقوات حفتر، وبالقبول (أي حكومة الوفاق) بوقف إطلاق النار، في الوقت الذي رفعت فيه حكومة حفتر وثيرة هجماتها المسلحة وتقدمت ميدانيًّا. فهل من باب الصدفة أن كل طرف ادعت تركيا التدخل لمساندته، يكون مصيره الانهزام والاستسلام والتسليم للمخطط الأمريكي؟

ادعاء نصرة مسلمي تركستان الشرقية مع تعزيز العلاقات مع الصين

ما الذي فعلته تركيا وماليزيا وقطر ضد الصين انتصارًا لمسلمي تركستان الشرقية (الإيغور)؟ لا شيء!

نصرة مسلمي الإيغور – وكل المسلمين المستضعفين في العالم – لا يكون بالشعارات والمؤتمرات، والفقاعات الإعلامية التي تُدَغْدغ مشاعر المسلمين. بل نُصرة المسلمين تكون بالأفعال! وأفعال الدول المشاركة في قمة كوالالمبور تحكي عكس ألسنتهم.

فتركيا وماليزيا وقطر لم يطردوا مثلًا سفراء الصين من بلدانهم، ولم يُعَلِّقوا العلاقات التجارية مع الصين، بل على العكس حجم علاقاتهم مع الصين في ازدياد.

العلاقات الاقتصادية بين تركيا والصين

فهناك أكثر من ألف شركة صينية تعمل في تركيا، وحجم الاستثمار الصيني الحالي في تركيا يبلغ حوالي 3 مليارات دولار، وستصل – حسب بعض التقديرات – بعد عامٍ إلى 6 مليارات دولار. وبلغ حجم التجارة بين تركيا والصين حوالي 24 مليار دولار في عام 1439هـ، استوردت تركيا منتجات من الصين بقيمة 21 مليار دولار، في حين بلغت قيمة صادرات تركيا حوالي 3 مليارات دولار.

وبمجرد انتهاء قمة كوالالمبور، أعلن عن صفقة اقتصادية من العيار الثقيل بين الصين وتركيا، حيث أعلنت مجموعة من الشركات الصينية أنها شكلت ائتلافًا لشراء حصة51% من أسهم جسر إسطنبول الثالث المعروف باسم جسر السلطان ياووز سليم.

العلاقات الاقتصادية بين ماليزيا والصين

أما ماليزيا، فقطاعها الصناعي والتجاري معتمد بطريقة شبه كلية على الصين. فبحلول نهاية عام 1439هـ، كانت الصين أكبر شريك تجاري لها للعام العاشر على التوالي. وفي النصف الأول من عام 1440هـ، نمت تجارة ماليزيا مع الصين بنسبة 10.7% لتصل إلى 57.35 مليار دولار، وفقًا لإحصائيات صينية.

وبعد إعادة انتخاب محمد مهاتير رئيسًا لوزراء ماليزيا عام 1439هـ، زار هذا الأخير الصين وأعلن إعادة إحياء مشروع «بندر ماليزيا» الضخم وبناء شبكة سكك حديدية ستمتد من شرق ماليزيا إلى غربها. هذه المشروعات الضخمة مُنِحَت لشركات صينية بمبلغ يقدر بحوالي 34 مليار دولار.

العلاقات الاقتصادية بين قطر والصين

والوضع لا يختلف بالنسبة لقطر، أحد المشاركين في قمة كوالالمبور، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين قطر والصين حوالي 13.5 مليار دولار في العام 1439هـ، محققًا نموًّا بنحو 27.08% مقارنة بالعام 1438هـ، وتعد الصين الشريك التجاري الثالث لقطر مستحوذة ما نسبته 11.65% من إجمالي حجم التجارة الخارجية لقطر. وبلغ إجمالي عدد الشركات ومكاتب التمثيل الصينية العاملة في قطر نحو 265 شركة ومكتب تمثيل، من بينها 244 شركة ذات رأس مال قطري- صيني مشترك، و20 مكتب تمثيل لشركات صينية، مقابل شركة واحدة مملوكة بالكامل للجانب الصيني، بالإضافة إلى شركة واحدة مرخصة من قبل مركز قطر للمال. وتعمل هذه الشركات في مجالات التجارة، والمقاولات والإنشاءات، وتكنولوجيا المعلومات، والاستشارات الهندسية.

وعلى هامش معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة في محرم 1441هـ في مدينة شيامن الصينية، وَقَّعَت «هيئة المناطق الحرة القطرية» مذكرات تفاهم مع مؤسسات تجارية صينية.

[ملاحظة: يجب الإشارة الى أن قضية الإيغور تحاول أمريكا استغلالها كلما أرادت الضغط على الصين، فعلى المسلمين عامة ومسلمي تركستان الشرقية خاصة الحذر من أن تحولهم أمريكا أداة لهذا الغرض].

يكفيكم يا قادة «قمة كوالالمبور» لو استقبلتم المسلمين المضطهدين ومنحتموهم جنسية دُوَلِكم

فإن لم يكن لدى دول قمة كوالالمبور الإرادة السياسية لنصرة مسلمي الإيغور بمقاطعة الصين على أقل تقدير، فما الذي يمنعها – على الأقل – من فعل ما أقدمت عليه الهند مؤخرًا، حين أصدرت قانونا يُمَكِّن الهندوس والسيخ والبوذيين القادمين من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان، من الحصول بسهولة على الجنسية الهندية؟ ولماذا لا تقْدِم على ما تفعله إسرائيل منذ تأسيسها؛ إذ تستقبل كل من له أصل يهودي وتمنحهم الجنسية الإسرائيلية وتُمَكِّنهم من كل المساعدات الاجتماعية؟ ما الذي يمنعكم – يا حكام تركيا وقطر وماليزيا – من منح الجنسية لكل المسلمين الفارين من الاضطهاد في أي مكان في العالم ولجؤوا أو يريدون اللجوء إليكم؟

هل الدول التي تتصرف بهذا الشكل ستنتصر للمسلمين المستضعفين؟

لماذا لَمَّا يلجأ مسلمون إلى تركيا مثلًا، يوضعون تحت الإقامة المؤقتة والمحددة جغرافيًّا، والتي يجب تجديدها كل بضعة أشهر أو أسابيع، ويمكن سحبها في أي وقت وتسليمهم للدول التي هربوا منها؟

المسلمون اللاجئون إلى تركيا هربًا من الاضطهاد في مصر، أو سوريا، أو تركستان الشرقية، أو ميانمار، يعيشون في رعب يومي، وفي حالة نفسية جد مضطربة. عند كل دقة جرس أو طرق على الباب، يظنون أن الشرطة جاءت لتعتقلهم وترحلهم. بل إن تركيا سلَّمت فعلًا مسلمين من تركستان الشرقية إلى الصين، وسلمت آخرين لمصر، وسلمت مسلمين هاربين من سوريا لنظام بشار الأسد، أو أرسلتهم إلى مناطق الحرب في سوريا ليلقوا حتفهم هناك، والجيش التركي قتل مئات المسلمين المدنيين على الحدود التركية حين محاولتهم الهروب من جحيم سوريا. وماليزيا سلمت معارضين مصريين هاربين من بطش السيسي إلى مصر.

والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، صرح إبان لقائه الرئيسي الصيني، شي جينبينغ، في ذي القعدة 1440هـ بأن المسلمين الإيغور يعيشون بسعادة في إقليم شينجيانغ. وأضاف أن تركيا لن تسمح لأحد بدق إسفين في علاقاتها مع الصين. وأنه (أي أردوغان) على استعداد لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة والتعاون الأمني مع الصين للتصدي للتطرف (فما هو يا ترى التطرف الذي تشارك تركيا الصين عداءه؟). وتركيا أرسلت مؤخرًا مساعدات طبية إلى الصين لمكافحة «وباء كورونا».

قطر أرسلت في السنة الماضية رسالة إلى الأمم المتحدة، بمشاركة كل من السعودية، وسوريا، وسلطنة عمان، والكويت، والإمارات، والبحرين، تؤيد فيها سياسة الصين في إقليم شينجيانغ ضد مسلمي الإيغور. اضْطُرَّت قطر لاحقا، تحت سخط شعبي، لسحب اسمها من الرسالة المرفوعة للأمم المتحدة.

أما مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، فلم يحسم أمره بعد في قضية الإيغور في الصين ولا الروهينغا في ميانمار؛ إذ ما زال يريد أولًا معرفة أسباب المشكلات التي يتعرضون لها، إذ قال مهاتير في برنامج «سيناريوهات» على قناة الجزيرة: «الحقيقة أنه لم تكن هناك جهود مكثفة لتحديد أسباب المشكلات التي يتعرض لها الإيغور والروهينغا. كل ما نعلمه هو ما يصلنا عبر الإعلام، لكننا ما زلنا بحاجة لفهم الأسباب الحقيقية التي أدت لهذه المشكلات» (انتهى الاقتباس). الذي نعلمه أن رؤساء الدول يعتمدون على سفاراتهم ومخابراتهم على الأرض، لتُطلعهم على حقيقة ما يجري، وليس على الإعلام! والمُنتظر من رؤساء الدول أن تكون لديهم معلومات موثوقة، حتى قبل وقوع الحدث!

هل استمعتم لكلمة رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد التي لخص فيها نتائج «قمة كوالالمبور»؟

الكلمة التي لخص بها رئيس وزراء ماليزيا، مهاتير محمد، نتائج «قمة كوالالمبور»، والتي صرح بها في حواره مع قناة الجزيرة ضمن برنامج «سيناريوهات» بتاريخ 22 ربيع الثاني 1441هـ، كفيلة بأن تزيح آخر الشكوك بأن القمة وزعماءها لن ينتصروا قط للمسلمين. فقد قال مهاتير:

«ينبغي لنا أن نفاوض ونتواصل مع العالم لكسب تأييده وتفهمه لمواجهة التحديات التي تواجهنا وحشد الآخرين حتى من غير المسلمين ليصبحوا معنيين بهذا الاضطهاد الذي يعاني منه المسلمون، فربما إذا اقتنعوا قاموا بالتفاوض نيابة عنا، أو ربما قاموا باتخاذ خطوات ما ترفع عن المسلمين هذا الاضطهاد الذي يعانون منه في أماكن عديدة من العالم الإسلامي… لسنا قوة عسكرية ضاربة وليس باستطاعتنا اتخاذ إجراء عسكري أو عمليات غزو عسكري لإنقاذ المسلمين المضطهدين… لكن يمكننا من خلال إجراءات دبلوماسية، هناك على سبيل المثال عقوبات تجارية، ليس على جميع الدول طبعا، … ربما يمكننا اتخاذ إجراءات اقتصادية، لكن إذا كنا على قلب رجل واحد، … لكن تبقى الإجراءات الدبلوماسية التي يمكن للمسلمين اتخاذها لحث بقية العالم على فهم أن هناك كَمًّا كبيرًا من الظلم الذي يقع علينا، فإذا أصبح العالم معنيًّا بحقوق الإنسان فيمكننا حينئذ تحجيم الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون… لا يمكننا وقف الاضطهاد لكن يمكننا على الأقل مساعدة الذين أُجبروا على الفرار من أوطانهم… فحتى هؤلاء الذين فروا من أوطانهم يواجهون مشكلات جمة». (انتهى الاقتباس).

لماذا اجتمعتم إذًا إن كنتم عاجزين لا تستطيعون فعل شيء، وتتطلعون إلى دول الغرب لتنتصر هي للمسلمين المستضعفين في العالم؟ إلى متى يبقى الغرب المستعمر يتحكم بقضايا الأمة ويحدد مصيرها؟

وسيقول كل عاقل للحكام المسلمين: كذبتم، بل البلدان الإسلامية لديها ما يكفي من القدرات الاقتصادية والعسكرية، ولشعوبها – إن وَجَدَت من يحرك طاقاتها – ما يكفي من الإرادة والطموح والطاقات والمواهب، للنهوض والتحرر من هيمنة الغرب! فالذي ينقص المسلمين هي قيادة سياسية مبدئية مخلصة. فحكام المسلمين الحاليين يثبطون الشعوب المسلمة ويحرصون على إبقاء عقدة النقص والعجز عندهم – رغم كل القوة والإرادة الكامنة فيهم – وعلى إبقاء بلدانهم وخيراتهم وسياساتهم وقضاياهم تحت إرادة وهيمنة دول الغرب، وما فلسطين وسوريا وليبيا والعراق عنا ببعيد. لو بقي الاستعمار (الاستخراب) المباشر للبلدان الإسلامية من قِبَلِ الغرب، لما نجح في تحقيق ما حقق الحكام المسلمون نيابة عنه، لما نجح في زرع نفسية الهزيمة والاستسلام والتواكل التي زرعتها الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية على مدار عقود من توليهم الحكم نيابة عن المستعمر (المستخرب) الغربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد