ورث النظام العربي القائم منذ أواسط القرن المنصرم وحتى اللحظة الراهنة الحقبة الاستعمارية، التي أخضعت إقليمي المشرق والمغرب العربي للحكم الاستعماري الغربي المباشر. كان من المؤمل أن تمثل مرحلة ما بعد الاستعمار حالة انتقالية تأخذ بيد الأمة نحو الاستقلال الفعلي التام، وتعالج آثار المرحلة الاستعمارية، وتضع الأسس لنظام سياسي مستقل له رؤاه وأهدافه واستراتيجياته التي تعكس مصالح الأمة، وتعبر عن شخصيتها المستقلة. من الواضح أن هذه المرحلة قد طالت بفعل فاعل، ولم يُرد لها أن تكون انتقالية، بل نهائية من وجهة نظر المستعمر الغربي، وبوجود أطراف مستعدة للقيام بالدور السياسي المقيد بالسقف المحدد غربيًّا، فقد نشأت علاقة مصالح بين الغرب وبين من يحكمنا، على أن يحدد الغرب لهذه الأطراف المدى المتاح لها لممارسة السلطة، فيما تبقى هذه الجهات في موقع الحكم بدعم منه.

إن ما جرى في العالم الإسلامي يشابه ما جرى في العالم العربي، وإن كان التركيز على استهداف العرب أكثر صرامة وعمقًا لسببين اثنين، يتمثل الأول بكون العرب يمثلون العمود الفقري لأمة الإسلام، وبنهضتهم تنهض الأمة الإسلامية برمتها والعكس صحيح. ثانيًا، موقع العالم العربي الاستراتيجي الذي يتوسط قارات العالم، والقريب نسبيًّا من أوروبا، وما يحويه من ثروات وموارد هائلة، تؤهل العرب في حال قومتهم لشغل موقع متقدم في مواجهة الغرب.

هناك مؤسستان دوليتان، واحدة عربية وتسمى جامعة الدول العربية، وأخرى إسلامية وتسمى منظمة المؤتمر الإسلامي، ووظيفتهما الرئيسية احتواء منظومة الأعضاء، وحملهم بطرق لها أول وليس لها آخر على التسليم بسقف العمل العربي والإسلامي الذي يحدده المستعمر الأوروبي، وهو دور يتمثل في جوهره بمسايرة الإرادة الغربية وسياساتها النافذة، وعدم التفكير مطلقًا في رفضها أو الخروج عليها. وتمثيلًا لما سلف، فإن مهمة جامعة الدول العربية – التي اقترحت بريطانيا في أربعينيات القرن المنصرم تشكيلها – منع قيام وحدة عربية حقيقية، وقد أدت دورها، وما تزال، على أكمل وجه، وفعلت منظمة المؤتمر الإسلامي الشيء ذاته على المستوى الإسلامي الواسع. ولذلك كانت أمتنا بمظلتيها الإطاريتين العربية والإسلامية تمثل غثاء كغثاء السيل على مدار أكثر من قرن من الزمان، في الوقت الذي تمتلك فيه كل المقومات اللازمة لتكون واحدة من أقوى وأغنى وأفضل أمم الأرض قاطبة.

تمثلت أول خطوة تسعى للم شتات العرب والمسلمين تحت مظلة واحدة بعيدًا عن الهيمنة والإملاء الغربي في العام 1997 باقتراح رئيس الوزراء التركي الراحل نجم الدين أربكان تشكيل مجموعة الدول الثماني، بوصفها نواة العمل العربي الإسلامي المشترك، وقد بدأت تنسيق خطواتها للعمل المنظم في القطاع الاقتصادي أولًا، مؤملة أن تكون واحدة من المجموعات الاقتصادية ذات الثقل على المسرح الدولي. وقد ضمت المجموعة كلًّا من تركيا، وإيران، ومصر، ونيجيريا، وباكستان، ماليزيا، إندونيسيا، وبنغلاديش، لم يكن من المتوقع نجاح المجموعة في تنفيذ رؤية المؤسس؛ نظرًا إلى أن الواقع الموضوعي وإرادة الطرف الآخر ما تزال نافذة، وقد سارت المجموعة على الدرب خطوات متواضعة وما تزال، ثم أطيح أربكان بانقلاب عسكري في العام ذاته، بطريقة تؤكد على مدى تغلل الإرادة الغربية في مجتمعاتنا ومؤسساتها البارزة. لكن ما يسجل لصاحب المقترح أنه حرك العصا في المياه الراكدة إزاء واقع ومستقبل العالم العربي والإسلامي.

جاءت قمة كوالالمبور المنعقدة مؤخرًا في ماليزيا لتشكل الخطوة الثانية في الاتجاه ذاته، وإن كانت ملامح المفاصلة وإرهاصات المواجهة بين الخطين السياسيين القديم والجديد عربيًّا وإسلاميًّا تبدو أكثر وضوحًا مما بدا أثناء التجربة الأولى، إذ مورست الضغوط على باكستان من قبل أحد رموز النظام العربي الإسلامي المتماهي مع سياسات الغرب، والخاضع لمقتضياتها لعدم حضور القمة المشار إليها، وهذا يعد بحد ذاته مؤشرًا إيجابيًّا، بسبب شعور الأطراف المناوئة للقمة بأن ثمة فرصة حقيقية لاصطفاف إسلامي عربي جديد يشكل عنوانًا حقيقيًّا، ويعكس طموح وآمال الأمة، ويمكن له أن يملك زمام المبادرة باتجاه إحداث تحول فيما يخص موقع العرب والمسلمين على الخارطة السياسية الدولية. إن ما يؤكد ذلك أن لفيفًا من الفعاليات الشعبية وحركات التحرر والأحزاب وجمعيات العلماء تشاركت مع دول بارزة حضور المؤتمر. وهذا يعني أنه سيكون للآمال والإرادة الشعبية العربية والإسلامية حيزًا واضحًا وصوتًا مسموعًا في رؤية وبرامج المؤتمر المتتالية، وبالتالي صحة المسار بالرهان على إرادة الشعوب التي لا تساوم بالجملة، ولن تقبل برهن مصالح الأمة بيد الآخر كما تفعل النخب التي تحكمنا منذ عقود. كما يشكل ذلك نقطة افتراق أخرى مع منظومة الحرس القديم الذي صنعت حواجز كثيفة تفصلها عن الشعوب وممثليها والآمال التي تتوق إليها.

يغيب المكون العربي الوازن عن قمة كوالالمبور في الوقت الذي دالت فيه اللحظة لقوى الثورة المضادة في العالم العربي، ويكشف ذلك عن حقيقة تقدم الموقف الإسلامي على الموقف العربي خطوة أو خطوات في الاتجاه الصحيح، وعندما تحين الفرصة مرة أخرى للحراك الشعبي العربي لأخذ زمام المبادرة من جديد، وبوصول قوى تمثل الإرادة الشعبية للسلطة، سيتلقى الإطار الذي تعبر عنه القمة رافعة كبيرة، ودفعة غير مسبوقة، وسيكتسب زخمًا كبيرًا بانضمام دولة أو دول عربية وازنة له. إن القطار الذي حط في كوالالمبور هذه المرة لن يتوقف، وسيؤسس لولادة المشروع الذي طال انتظاره في العالم العربي والإسلامي، ذلك المشروع الذي سيضع الأمة كواحدة من الفواعل السياسية الكبرى عالميًّا، وهي الصفة التي خسرتها الأمة منذ أكثر من قرن من الزمان.

تساعد التحولات الجارية على الساحة الدولية على مستوى الأقطاب، والمحاور السياسية والتكتلات الاقتصادية، الإطار الجديد على نحت مكان له في المنظومة الدولية، إذا تحلى المؤسسون بحسن التدبير وعمق النظر، وإدارة المرحلة بنجاح، وهي مزايا لا تفوت الزعماء المبادرين، وإن غدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد