لا يغيب عن بالي منبر مسجد جعفر بن أبي طالب في قريتي في مارس (آذار) 2003 عندما بدأ الخطيب يدعو: اللهم انصر المسلمين في فلسطين والعراق، قبل أسبوع واحد من ذلك التاريخ وفي الجمعة الفائتة كنا نؤمّن على دعائه وهو يقول: اللهم انصر المسلمين في فلسطين، واو العطف هذه ليست حرفًا عاديًا إنّما تحمل معها ذلّنا وهواننا وقلة حيلتنا، وما زلنا منذ ذلك التاريخ لا نجيد إلا إضافة هذه الواو في كل جمعة ولبنان وسورية وبورما واليمن وليبيا ومصر و و و و، وكل دولة من دول العرب والمسلمين يجب أن تتحضر لتكون اسمًا معطوفًا بعد واو الذل هذه، واو الصغار والانبطاح والضعف والهزيمة والانكسار.

يتحفنا السيد دونالد ترامب الرئيس المفترض لأقوى دول العالم بتصريحٍ لم يحمل جديدًا لنا كمسلمين بالاعتراف بالقدس من منظوره كعاصمة لكيان صهيون، مستغلًا انشغالنا كعرب ومسلمين بمشاكلنا الداخلية والتي لو لم تكن موجودة أصلًا لكانت جُلّ ردودنا هي الشجب والاستنكار على مستوى الحكومات، والندوات والمؤتمرات على مستوى الإعلام، والخطابات والبيانات على مستوى الوزراء، والمظاهرات أمام سفارات أمريكا على مستوى الشعوب، وجديدًا صار لدينا حرب هاشتاغات وبروفايلات نضيفها إلى سجلنا الغاضب، ولا أقلّل من شأن أي استنكار أو شجب أو إدانة ولكن أذكّر أننا جسد واحد، السياسة والإعلام والاقتصاد والعسكر والشعب، فأما الشعب فهو صدر هذا الجسد وظهره، وأما الإعلام فهو لسانه والسياسة يداه ورجلاه، والعسكر رأسه والاقتصاد قلبه، فما دمنا نستنكر بجسد لا قلب فيه ولا رأس وأطرافه مشلولة ولسانه كاذب وصدره وظهره واجهة لا أكثر، فكيف لنا أن نعترض أو نواجه ضياع القدس من أيدينا؟

القدس محتلة منذ سبعين عامًا وما تصريح ترامب إلا وضع للنقاط على الحروف، وإثبات لضعفنا على جميع المستويات والأصعدة، وإحراجنا للأنظمة الحاكمة الفاسدة المهترئة

نعم! القدس قضيتنا وسيكتب التاريخ أننا كنا أجبن من أن نرد عنها احتلالًا ظالمًا غاصبًا سبعة عقود، وعجزنا عن رد بغداد من يد الصفويين، وأضعنا دمشق رازحة تحت سطوة المحتل النصيري، وتركنا صنعاء يستبيحها الحوثي الهمجي المجرم، وأما بيروت الحضارة والرقيّ تركنا تسبح في جهالات وكيل الولي الفقيه حزب الشيطان، وقاهرة الكنانة قهرها المجرم السيسي، وموصل العزّ دنسها الحشد الطائفي، ورقّة الرشيد بيد انفصاليين مرتزقة بلا دين ولا ضمير ولا تاريخ، فاعذرينا يا قدس فكل حارة من حاراتنا صارت مغتصبة، وكل شبر من أرضنا صار محتلًا ولا نملك إلا واو العطف على منابرنا وفي خطاباتنا، وأبشرك يا قدس بأنّك ستحظين بشرف اسم معطوف في بيانات الإدانة القادمة.

اعذرنا يا أقصى فمساجدنا المحتلة قد كثرت فلم نعد نتذكرك، فذاك الأمويّ يعتلي منبره سُلطاء اللسان منافقو القلوب من عبيد الأسد المسبحين بحمده والمطبّلين بملكه، والأزهر صار صالون تجميل لوجه السيسي القبيح ولا تتعدى وظيفة شيوخه اليوم وظيفة «كوافيرة» تضع من مساحيق الكلام لتقلب به وجه الحقيقة.

نعم مسجدنا المبارك إن همنا واحد وقضيتنا واحدة، لكن الفرق أن مغتصبيك منذ سبعين عامًا يحفرون تحتك ولم يجرؤوا على هدمك، أما مساجد سورية واليمن والعراق دمّرت على رؤوس المصلين

احمدي الله يا قدس أنّ دجالي المقاومة والممانعة لم يصلوا إليكِ، لكنا رأينا رايات الثأر للحسين على قباب مساجدك، واحمدي الله أن جنود داعش لم يتوجهوا إلى حاراتك، ولو توجّهوا سيكفرون أبناءك ويهجرونهم ويدمرون معالمك، ثم يحشدون لكِ كلّ محتل وغازٍ ليهربوا ويتبخّروا بعد أن تنتهي مهمتهم.

واحمدي الله أيضًا أن التحالف العربي الذي يحارب في اليمن اليوم لم يتوجّه إلى فلسطين، كنتِ سترين الكوليرا والأمراض تعصف بأهلك والدمار في كلّ زاوية ويبقى المحتلّ محتلًا لسنوات وربما يخوضون معه جولات حوار لحل قضيتك سياسيًا.

أتعلمين ما صنع حكام العرب بنا يا قدس؟

لقد جعلونا نتمنى أن تحتلّ بلادنا الصهيونية لعلّها تكون أقل نجاسة منهم وأخفّ ضررًا منهم ولعلّها مفسدة صغرى ندفع بها كبرى المفاسد المتربعة على عروش الحكم في بلادنا وإن كنا نعلم أنهم جراء رضعوا من ثدي الكلبة الصهيونية، فكانوا أنجس من أمهم وأشد تنكيلًا بنا منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد