قبل شهرين تقريبا كتبنا تحت عنوان (إقليم كردستان على حافة الهاوية)، “إن كل الاحتمالات واردة، ومن بين تلك الاحتمالات أن يلجأ البارزاني في حال استنفد كل محاولاته للبقاء في منصبه، إلى الاستنجاد بالحكومة التركية، كما استنجد قبل تسعة عشر عاما بنظام صدام حسين؛ لترجيح كفة حزبه في الصراع العسكري المسلح حينذاك بين حزبه وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني.

ومن بين تلك الاحتمالات أيضا، أن تنشأ إدارة ثانية للإقليم في مدينة السليمانية، بإشراف حزب طالباني وحركة التغيير، وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى تفجر الصراع العسكري المسلح في الإقليم بين الفرقاء.

وفي كل الأحوال فإن أزمة رئاسة الإقليم أشرت بكل وضوح إلى هشاشة الواقع السياسي الكردي، وغياب الانسجام والتفاهم بين القوى السياسية الرئيسة، ناهيك عن طغيان نزعة التشبث بالسلطة، والتهديد ضمنا بالذهاب إلى السلاح لحسم الأمور”.

ولعله لم يكن من الصعب بمكان استشراف تفاعلات المشهد السياسي الكردي الراهن، على ضوء التجارب السابقة، وهي بلا شك ليست قليلة.

 
وبين قراءتنا السابقة، وتجاوز الأمور بين الفرقاء الأكراد حافة الهاوية وذهابهم نحو المجهول، أقل من شهرين، وهو ما يعني أن تداعيات الأحداث سارت بوتيرة متسارعة جدا، ربما لم يكن أصحاب القرار الكردي يتوقعونها، بحيث أن كل طرف كان يراهن على إرغام الطرف الآخر على تقديم التنازلات من على طاولة المفاوضات، وبدا فيما بعد أن تلك الرهانات كانت في غير محلها تماما.
واذا كنا تحدثنا قبل شهرين عن خطر وصول الأكراد إلى حافة الهاوية، أو بلوغهم إياها، فإننا اليوم يمكن أن نتحدث عن مرحلة “مابعد حافة الهاوية”، لأن الأمور انقلبت رأسا على عقب، والمصاديق باتت واضحة وجلية إلى أقصى الحدود.

 

فبعد تسعة اجتماعات تفاوضية شاقة لم تفضي الى اية نتيجة ايجابية، وجدت الاحزاب الكردية الخمسة نفسها أمام طريق مسدود، في ظل إصرار مسعود البارزاني على الاحتفاظ برئاسة الإقليم وبكامل الصلاحيات، وفي مقابل رفض قاطع من قبل خصومه لذلك، ولأن خيار التفاوض قد فشل تماما، فقد كان من الطبيعي والمتوقع أن يظهر خيارا آخر، ألا وهو خيار القوة بمعناه الواسع، وهذا ما حصل بالفعل.

والمظاهرات الجماهيرية التي خرجت في عدة مناطق من محافظة السليمانية ـ التي تعد معقلا لكل من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، وحركة التغيير المنشقة منه بزعامة نوشيروان مصطفى ـ للمطالبة بصرف الرواتب المتأخرة منذ عدة شهور، وبتنحي البارزاني عن رئاسة الإقليم تعدت الطابع السلمي، حينما قام المتظاهرون بالهجوم على مقرات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني وقتل وجرح عدد من منتسبيها فضلا عن إحراقها.

 

 

وهذا كان أول مؤشر لتجاوز حافة الهاوية، إذ راحت الحملات الإعلامية بين حزبي البارزاني ومصطفي تأخذ أبعادا خطيرة جدا، وزادت خطورتها حينما منع حزب البارزاني، رئيس برلمان الإقليم يوسف محمد المحسوب على حركة التغيير من دخول مدينة أربيل وإرغامه على العودة إلى السليمانية، وتزامن ذلك مع إعطاء مهلة ثماني وأربعين ساعة لأعضاء البرلمان والوزراء التابعين لحركة التغيير لمغادرة أربيل.

 

وأكثر من ذلك إعلان رئيس حكومة الإقليم نيجرفان البارزاني إعفاء وزراء “التغيير” الأربعة في حكومته، وهم وزراء الأوقاف والشئون الدينية والتجارة والمالية وشئون البيشمركة، إضافة إلى إعفاء مدراء عامين تابعين للحركة في أربيل ومن بينهم مدير عام الطرق والجسور، ومدير عام هيئة السياحة.

 
ولم يكتف الحزب الديمقراطي بذلك، بل إنه عمد إلى إغلاق مكاتب ومقرات وسائل إعلام تابعة لحركة التغيير، وطرد العاملين فيها إلى السليمانية.

وفي الوقت الذي اعتبرت حركة التغيير(كوران)، إن منع رئيس البرلمان من دخول أربيل، وإجبار البرلمانيين والوزراء من الحركة على ترك المدينة يعد انقلابا من قبل حزب البارزاني، يؤكد الأخير أن “كوران تقف وراء إثارة المتظاهرين ودفعهم إلى مهاجمة مقرات الحزب في السليمانية وتحريضهم على رئيس الإقليم وتحميله وحده مسئوليات الأزمات”.

وفي هذا الإطار نجد أن هناك تفاعلات وتداعيات متواصلة للأزمة تجعلها تأخذ مديات أوسع وأخطر، بحيث يصعب إلى حد كبير احتواؤها وتطويقها، في ظل بقاء العوامل والعناصر المسببة لها والمحفزة عليها. ومن هنا، فإن الحديث اليوم يتمحور حول صورة ما بعد الأزمة، أو بتعبير أخر مخرجاتها.

ولعل أول شيء ستفرزه، أو ربما لا نبالغ إذا قلنا أفرزته مبكرا، هو تشظي الوضع الكردي، ليتحول إلى إدارتين واحدة في أربيل ودهوك تحت سلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني، والأخرى في السليمانية، بيد أنه من غير الواضح لمن ستكون السلطة فيها، بعدما ظهرت حركة التغيير كقوة سياسية مؤثرة ولها جمهور كبير على حساب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي كان في السابق هو صاحب السلطة الحقيقية في السليمانية.

أي أن طبيعة العلاقة الملتبسة والشائكة بين الاتحاد والتغيير، يمكن أن توجد في باديء الأمر إدارة مشتركة للسليمانية فيما بين الطرفين، لكنها ستكون حافلة بالكثير من الإشكالات، وهو ما يمكن أن يفضي إلى تحولها إلى إدارتين في مرحلة أو مراحل لاحقة.
الأمر الآخر الذي ستفرزه الأزمة، هو دخول أطراف كردية غير عراقية على الخط، وهذا ما لاحت بعض بوادره مبكرا، من خلال تسريبات أكدت أن حزب العمال الكردستاني التركي(P.K.K) شارك في الهجمات على مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني، كنوع من الانتقام بسبب مواقف حزب البارزاني المهادنة للحكومة التركية، كذلك فإن أحزابا كردية سورية لا تحتفظ بعلاقات طيبة مع حزب البارزاني ربما تجد الفرصة سانحة لها لتصفية بعض حساباتها معه.

 

 
والأمر الآخر، أن تشظي الوضع الكردي، وعودة الاقتتال والصراع بين القوى السياسية هناك، سيتيح لتنظيم داعش الإرهابي تحقيق اختراقات أمنية للاقليم، بل ربما ستعمد بعض الأطراف إلى استهداف خصومها بعمليات إرهابية، وتلصقها بتنظيم داعش بطريقة أو بأخرى.

 

 
الأمر الآخر، إن العلاقة المرتبكة بين حكومة الإقليم والحكومة الاحادية في بغداد، ستشهد المزيد من الارتباك، بحيث لن يكون بالامكان حسم القضايا الخلافية بسهولة؛ لأن ما يتم الاتفاق عليه مع السلطة في أربيل لن يحظى بقبول أصحاب السلطة في السليمانية، وهكذا.

إلى جانب ذلك فإن الأوضاع الاقتصادية والحياتية لعموم سكان الإقليم، لاسيما السليمانية والمناطق التابعة لها ستشهد تراجعا كبيرا مرتبطا في جانب منه بتأخر دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، وفي جانب آخر بانحسار قطاعات السياحة والاستثمار وعموم النشاط التجاري مع الدول المجاورة.

 

 
والأكثر من ذلك كله، لن يعد بأمكان أي طرف كردي الحديث عن تشكيل دولة كردية مستقلة، والانفصال عن العراق، باعتبار أن النجاح الحقيقي للأكراد يتمثل في المحافظة على تماسك إقليمهم، وفي حال فشلوا في ذلك لأي سبب، فكيف بهم أن ينجحوا فيما هو أصعب وأكثر تعقيدا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد