هذا الجزء الثاني من السلسلة «حقبة من تاريخ الكرد»، وسنتطرق فيها لمواضيع ربما تساعدنا في فهم بعض الأحداث والحركات التي حدثت في فترات تالية لهذه التي سنذكر في المقال الحالي، وفي الأجزاء القادمة نبدأ بتفصيل أكثر في الحركات الكردية وإماراتهم، وأمرائهم، وثوراتهم وحكامهم، والعوائق والأسباب التي أدت إلى النجاحات والإخفاقات.

الكرد في الحرب الروسية– العثمانية «1880- 1828»

إن اهتمام الروس بالكرد بدأ في بداية القرن السابع عشر، مع بدء خطة الروس في التوسع داخل الدولة العثمانية وإيران. ومن بعض ما يدل على هذا الاهتمام أن الروس قد كتبوا العديد من الدراسات الاجتماعية والسياسية التي جعلتهم من أوائل المهتمين بالدراسات الكردية. منهم: فلاديمير مينورسكي، والباحث اليهودي لازاريف، وإيفانوف الذين يعدون من أهم من برز في موضوع الدراسات الكردية، ثم وبسبب تحقيق الروس مكاسب استعمارية في الدولة العثمانية وإيران إذ وضعتهم هذه المكاسب في حدود الدولة العثمانية مباشرة –خاصة في المناطق ذي الأغلبية الكردية على الحدود– نجد ازدياد اهتمام الروس بالكرد في بداية القرن العشرين.

ونجد فراغًا عسكريًّا على الحدود الروسية– العثمانية بعد عام 1826، عندما ارتكبت مذبحة بحق الجيش التقليدي العثماني «الإنكشاري» من قبل السلطان محمود الثاني، نتج من ذلك نتائج مدمرة؛ لأن السلطان محمود لم يكن قد قام بإعداد جيش عصري بديل، فكانت هذه الحركة في غير وقتها، ثم مثلًا في معركة نقارينا في اليونان عام 1827 تم تدمير الأسطول العثماني مع أسطول محمدعلي باشا من قبل القوات المشتركة البريطانية والفرنسية، وهكذا فتح الطريق أمام الروس للتقدم، فاستطاعوا خلال 1827- 1828 أن يسيطروا –وبدون مقاومة– على معظم المدن المهمة في شرق الأناضول، خاصة مدن قارص وأرضروم وبايزيد.

القبائل الكردية هنا كانت حيادية، لم تقاوم القوات الروسية القليلة العدد، ويقال إن هذا الموقف هو نتيجة لجهود الأمير غراف باسكوفيج نائب الملك في القفقاس، والقائد الأعلى للقوات الروسية هناك، إذ وضع باسكوفيج خطة احتلال أناضول الشرقية وضمها إلى الإمبراطورية الروسية. ومن ضمن خطة باسكوفيج، إعطاء القبائل الكردية الحدودية اهتمامًا كبيرًا ومحاولة كسب ودّهم، والعمل على الدراسات الاجتماعية والسياسية التي تدرس أحوال الكرد في المنطقة، وعقد تحالفات ثنائية دفاعية بينهم، وإعطاء المناصب الفخرية والهدايا والنقود لرؤساء العشائر، ومعاقبة بعضهم بشدة، وحرق قراهم وسلب ممتلكاتهم ونهبها.

باسكوفيج هذا كان له معرفة جيدة بالمجتمع القبلي الكردي؛ لذلك حاول استغلال تناقضاته لصالحه، وفي برقية له عام 1829 كتب ما يلي:

إذا لم نستطع أن نكسب ود الكرد فإن كل مكاسبنا في المعارك الجارية ستتعرض للخطر؛ لأن هذا الشعب الشجاع يملك خبرة مقاتلي الشرق، وإن بإمكانهم أن يقطعوا خطوط اتصال قواتنا الخلفية، ويمكن أن يهاجمونا من جميع الجهات وإلحاق أفدح الخسائر بقواتنا.

لكن يبقى العامل المهم الذي مكن باسكوفيج من بناء علاقة وثيقة مع رؤساء العشائر القوية على الحدود، هو سياسة السلطان محمود الثاني مع رؤساء الإمارات الكردية. فقد ذكرنا في المقال السابق أن السلطان قضى على معظم الإمارات الكردية «18 إمارة» .

فأقام باسكوفيج علاقات مع هؤلاء ووعدهم أنهم إذا تمردوا على الدولة العثمانية وقبلوا السلطة الروسية فستعاد لهم امتيازاتهم السابقة.

وربما كان باسكوفيج واثقًا من صلاته القوية مع رؤساء العشائر الكردية؛ إذ قام بتشكيل قوة من المرتزقة الكرد الموالين للروس قوامها 10 آلاف فارس! فاقترح الموضوع على القيصر ووافق القيصر على تشكيل القوة، وسمح بصرف 100 ألف قطعة ذهبية مصروفًا لتلك القوة. لكن ولأسباب عديدة لم يتم تشكيل هذه القوة الكردية، والسبب الأول في فشل المشروع ربما كان أن باسكوفيج لم يكن متأكدًا من تأييد رؤساء القبائل الكردية له، فعلى الرغم من أنهم أعطوه وعودًا بالتمرد على الدولة العثمانية، إلا أنهم لم يجرؤوا على ذلك علنيًّا، وكثير منهم حافظوا على علاقات ودية مع الطرفين. فكان موقفهم يتلخص في مراقبة الأوضاع في البداية، والانحياز إلى المنتصر في النهاية. ربما كان هذا الموقف البراغماتي هو حصيلة التجارب المريرة التي تعلمها الكرد في أثناء الحروب الصفوية «إيران» والعثمانية. ولكن باسكوفيج لديه سبب آخر لفشل مشروعه السابق ذكره، في تأسيس القوة الكردية الموالية للروس. هو يعتقد أن مؤامرات الدبلوماسيين الغرب ودسائسهم، وخاصة الإنجليز والفرنسيين، بين الكرد هي التي حالت دون إقدام الكرد على الانخراط في القوة التي أراد الروس تشكيلها. فيذهب باسكوفيج إلى القول إن هؤلاء الدبلوماسيين قاموا بمساع مكثفة لإقناع الكرد بأن الروس سينسحبون من المنطقة الكردية، وأن السلطات العثمانية ستعود إلى المنطقة، وستحاسب بشدة كل المتعاونين مع الروس.

لا نستطيع القول بأن جهود باسكوفيج كانت دون ثمار، فقد استطاع الروس تشكيل قوة كردية موالية لهم في بيريفان، وكان معظم أفراد القوة من اليزيديين الحاقدين على الدولة العثمانية. فكان لهذه القوة دور واضح في معارك المنطقة الكردية. كما أن الروس أفلحوا في فرض الحياد على معظم القبائل الكردية، فمثلًا، نداءات السلطان العثماني للكرد لمقاومة الروس وطردهم لم تؤد إلى اندفاع الكرد بشكل واضح لمساعدة القوات العثمانية في العمليات الحربية.

ونشير هنا إلى أن قوة روسية صغيرة في يوليو (تموز) 1828 استطاعت أن تدخل مدينة بايزيد على مرأى ومسمع القوات الكردية التي لم تكن تقل عن ألفي فارس، ولم تقاوم الاحتلال الروسي. إن ما حدث في بايزيد كان مثالًا لما حدث في معظم المناطق الكردية.

الانتفاضات الكردية والصراع العثماني- الروسي- الإنجليزي

كانت انتفاضة ميركور 1832- 1836 في كردستان- العراق تحديًا كبيرًا للدولة العثمانية، إذ أراد الأمير السوراني ميركور «محمد باشا الرواندوزي» أن يوحد الكرد جميعهم داخل الدولة العثمانية وإيران تحت حكمه. كان ميركور رجلًا سياسيًّا وعسكريًّا ومصلحًا من الطراز الفريد، في القرن التاسع عشر. وانتفاضته هي أول انتفاضة كردية في التاريخ المعاصر، استهدفت جمع شمل الكرد في دولة مستقلة.

الصراع الروسي- البريطاني أثر بسلبية في الانتفاضات التي حدثت في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فبريطانيا كانت لها مساع مكثفة في مساعدة العثمانيين لقمع انتفاضة ميركور، فبدأ الدبلوماسيون الإنجليز بنشاط محموم لإنهاء الانتفاضة. إذ كان المقيم البريطاني في بغداد «دبليو تايلر» و«آ. بوسبو» السفير البريطاني في إسطنبول يرسلان العديد من البرقيات، إلى القناصل البريطانية للاتصال بقادة الكرد وإقناعهم بعدم تأييد جهود «ميركور» في تحقيق استقلال كردستان. كما كان الكابتن شيل، والقنصل البريطاني في أورمية قد كُلفا بمهمة التنسيق بين القوات الإيرانية والعثمانية، وذلك لتوجيه ضربة مشتركة إلى قوات ميركور، لإجباره على تسليم نفسه للسلطات العثمانية، مقابل ضمان حياته. وقبل ميركور هذه الوساطة، وانتهت الانتفاضة بتسليم قائد الانتفاضة نفسه لرشيد باشا قائد القوات العثمانية المكلفة بإنهاء الانتفاضة الكردية.

إن الأطماع الروسية في الدولة العثمانية هي التي دفعت بريطانيا إلى دعم العثمانيين، في قمع الانتفاضة الكردية. 

وانتفاضة الأمير بدرخان 1842- 1847 في كردستان تركيا مثال آخر، يبين كيف أن الصراع الروسي- البريطاني للهيمنة داخل الدولة العثمانية ترك أثره البالغ في العلاقات العثمانية- الكردية.

كان قائد انتفاضة بدرخان باشا أميرًا لإمارة بوتان، واستطاع بفضل قوة شخصيته وتقواه أن يفرض قيادته على معظم الإمارات الكردية، فأراد أن يقود بدرخان الكرد في تحدٍ للسلطان العثماني، الذي حاول فرض الإصلاحات الغربية في كردستان باسم التنظيمات. وفي عام 1847، دخلت الانتفاضة الكردية مرحلة شاركت فيها معظم القبائل الكردية داخل الدولة العثمانية وإيران، ومن التقارير التي أرسلها المسؤولون الإنجليز، داخل الدولة العثمانية، يتبين أن الحكومة البريطانية كانت قلقة جدًا من تبعات هذه الانتفاضة. فكان الدبلوماسيون الإنجليز يعتقدون أن الروس يقفون خلف هذه الانتفاضة، وصرح أحدهم عن هذا القلق فقال:

إنه في حالة نجاح انتفاضة بدرخان ستحرم الدولة العثمانية من 76 فوجًا من أفواج الفرسان الكرد الذين يشكلون عماد القوات العثمانية في مواجهة الروس.

ولكيلا يحصل ذلك، وحرصًا على وحدة الدولة العثمانية أوعز الإنجليز إلى الدبلوماسيين بتقديم كل أنواع المساعدات الممكنة للدولة العثمانية، لإنهاء التمرد الكردي. وأخذ المدعو نمرود رسام مساعد القنصل البريطاني في الموصل على عاتقه دعم الدولة العثمانية، لإنهاء الانتفاضة الكردية، وقام الرسام بدعوة المار شمعون الذي كان الرئيس الدنيوي والروحي للطائفة المسيحية الشرقية المسماة بـ«السريان أو النسطوريين» أو الآشوريين الذين كانوا يسكنون في منطقة حكاري التي كانت تابعة لنفوذ بدرخان. وطلب الرسام من المار شمعون عدم إطاعة بدرخان، وإيجاد مشاكل بين المسلمين والمسيحيين حتى يتحين للدولة العثمانية والدول الغربية فرصة التدخل في أمور كردستان بحجة حماية المسيحيين.

وكان المار شمعون أداة طيعة بيد الرسام، فبدأ بإشعال الفتنة بين الآشوريين والكرد، وتمرد هو على سلطة بدرخان. وحين قام بدرخان بحملة تأديبية ضد المار شمعون وأنصاره، بدأ الرسام بكتابة تقارير مضخمة عن الوضع في حكاري، وعن ضحايا الآشوريين المسيحيين، لكسب الرأي العام الغربي، ولممارسة الضغط على الدولة العثمانية، لإنهاء الانتفاضة الكردية. ونتيجة لهذه الحملة الإعلامية أرسلت كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا مذكرة إلى السلطان، يطلبون قمع انتفاضة بدرخان، وإلا فإن الدول الغربية ستتدخل لإيقاف ما أسموه بـــــــ«مذابح المسيحيين»؛ لذلك أرسلت الدولة العثمانية قوة كبيرة للقضاء على الانتفاضة.

في النهاية، انتفاضة بدرخان أجهضت بفضل الدور البريطاني، وكان ذلك جزءًا من الصراع الروسي- البريطاني داخل الدولة العثمانية. إن هذه الانتفاضة تبين لنا أن الصراع الروسي- العثماني كان له بعد ثالث وهو الدور البريطاني، وأن دور الكرد في هذا الصراع قد تأثر هو الآخر بهذا البعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد