سنوات من الصراع السياسي والمشاحنات بين الأطراف الكردية في سورية، محادثات سرية ومباشرة بدأت جولتها اﻷولى في أوائل نيسان (أبريل) الماضي في قاعدة عسكرية أمريكية على أطراف مدينة الحسكة في محاولة لتقريب وجهات النظر وإيجاد رؤية سياسية موحدة بناء على مسودة قدمها الجانب الأمريكي.

إذا واشنطن هي الساعي الرئيسي لمحاولة توحيد الصف الكردي بذريعة «مستقبل الاكراد» كما تقول أمريكا.
تتوارد منذ أيام أحاديث وأخبار عن إعلان زعيم قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، مظلوم عبدي عن تحقيق تقدم في مبادرة «لم الشمل الكردي» كما يسمونها، الهادفة إلى تحقيق التقارب بين حزب الاتحاد الديمقراطي و«المجلس الوطني الكردي» والتي شكك بها مراقبون وبالتالي لا تقدم إيجابي على الأرض، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حزب الاتحاد الديمقراطي يسيطر على ثلث المساحة شرق الفرات وهو المهيمن على القرار هناك فيما يتلقى المجلس الوطني الكردي الدعم من تركيا، ويبدو أن جهودًا مكثفة تقوم بها واشنطن للتوصل إلى تقارب كامل وربما يكون الهدف الرئيسي هو خلق دولة كردية منفصلة عن الدولة السورية فجلّ ما يزعج واشنطن هو توحد السوريين وخاصة بعد الخطوة الكردية بفتح قناة للتواصل مع روسيا بعد إعلان دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سورية وبعد العملية العسكرية الأخيرة للجيش العربي السوري، والتي حرر خلالها على 100 كيلومتر من الحدود السورية-التركية.

إذًا ربما تشهد المرحلة القادمة محاولات أكبر وجولات أكثر بين الأطراف الكردية بإشراف من واشنطن ومن الواضح أنها مهمة صعبة جدًا في ظل الانقسامات بين الأحزاب الكردية، لكن السياسة الأمريكية لا تخرج عن إطار مصالحها والمصلحة الكبرى اليوم هو تثبيت حضورها شرقي الفرات عبر الصف الكردي، وبالتالي ستستمر في الدوران ضمن دائرة توحيد الصف الكردي أو لم الشمل، لأن خروجها من الدائرة والمشي بطريق مستقيم يعني استقامة سياستها وهذا هو الشيء المستحيل بحد ذاته.

تقاطع المصالح الأمريكية الكردية ما زال قائمًا على عكس ما تم الترويج له قبل أشهر، فالأكراد بحاجة لدعم واشنطن لتقوية وجودهم، وحمايتهم من أي تدخل تركي، وواشنطن تحتاج لحليف في ذات المنطقة وهذا يؤكد على نشاط وجهد الأمريكي في لم الشمل، وبالتالي عزل الدعم التركي، الأخير الذي يرى في التوحد الكردي تهديدًا مباشرًا له، فالأكراد كانوا وما زالوا يتطلعون للحكم الذاتي في سورية وهذا يعني تهديد أنقرة.

ماذا كسب الأكراد من تحالفهم مع واشنطن؟ ولماذا ما زالوا مصرين على التشبث بالقشة الأمريكية؟ أسئلة كثيرة تطرح وما من إجابة واضحة، الأكراد هم شريحة من مكونات المجتمع السوري والقيادة السورية تؤكد على ذلك ولكن الدعم الأمريكي وتعامل الكرد مع واشنطن والإصرار على الحكم الذاتي جعل التجانس والتوافق معهم أمرًا صعبًا، فالتاريخ الأمريكي-الكردي طويل ولا بد أن يعلم الصف الكردي أن واشنطن مشهورة بسياسة التخلي ولا ينفع معها نسج الأحلام وبناء الطموحات، فلطالما تخلت واشنطن عن الكثير من أجل مصالحها، وما المباحثات اليوم والجولات التفاوضية للم الشمل الكردي إلا تحقيق لمصالحها وهدفها في إضعاف التركي الذي يرى في توحيد الأكراد تهديدًا لحدوده وبهدف الاستمرار في إبعاد المكون الكردي عن المجتمع السوري والبقاء ضمن دائرة المطالبة بالحكم الذاتي، وإلى حين إبصار «قسد» و«مسد» لحقيقة الدور الأمريكي والتركي نتمنى ألا تتجه الأنظار بين الأكراد ودمشق إلى نقطة اللاعودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شمل, كردي
عرض التعليقات
تحميل المزيد