هو حلم الأكراد الأزلي، لكنهم لم يناموا ليحلموا به، بل عملوا وكدّوا وضحّوا من أجله، الى أن ظهر تنظيم الدولة الاسلامية المسمى (داعش)، ليخلط الأوراق بعضها مع بعض ويكسر الحدود التي رسمت بموجب اتفاقية (سايكس ـ بيكو)، الاتفاق الذي اعتبره الأكراد أنه بموجبه قسَّمهم على الدول الأربعة (العراق، سوريا، تركيا، ايران)، والتي صعَّبت عليهم تحقيق حلم الدولة، إن لم ينسفها بشكل كامل.

مع مجيء عام 2016 وفي شهر أيار 2016 ستكون اتفاقية سايكس ـ بيكو، أنهت مدتها المتفق عليها والمنصوص عليها بمئة عام، وبقرب هذا الموعد، كثر الكلام في إقليم كردستان والمؤتمرات بل وحتى الاهتمام الاعلامي حول مصير الإقليم بعد نفاذ الوقت المحدد لاتفاقية (سايكس ـ بيكو).

جميع التحركات والتجاذبات التي حصلت في الشرق الأوسط منذ مطلع الألفية الثالثة، من احتلال العراق 2003 والربيع العربي وظهور تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، يعتبرها محللو الأكراد وسياسيوهم خطة متكاملة ومترابطة لإعادة تقسيم المنطقة، والأكراد من جانبهم يحاولون بجهد أن ينالوا نصيبًا من التقسيم الذي سيحصل لا محالة بتوقعهم، ويرون الظروف الراهنة مؤاتية جدا للتحرك بذلك الاتجاه، لا سيما وقد حصلوا على دعم كبير من قبل أمريكا، وأوروبا، وتركيا، ودول الخليج في حربهم على تنظيم الدولة (داعش).

فبالرغم من أن التنظيم تمركز على حدود إقليم كردستان واستولى على بعض أراضيها، إلا أنه لم يتمكن من أن يستولي على المدن الكبرى كما استولى على مدينة الموصل ثاني أكبر مدينة عراقية والمتاخمة حدوديا مع الإقليم، وأيضًا استيلائها على مدينة الأنبار، كذلك نرى تسابقا بين الدول الغربية على دعم إقليم كردستان العراق، فبين كل فترة وأخرى يزوره وزير أو مسؤول غربي رفيع المستوى، ونرى ألمانيا ترسل السلاح مباشرة إلى البيشمركة، وكندا تدرب البيشمركة منذ عام، والأكراد في إقليم كردستان يعتبرون هذا الاهتمام جزءًا من تغير التفكير حول حقوقهم وعلى رأسها حق الدولة الكردية.

لكن هل الدول المجاورة للإقليم والعراق قبلهم سيتقبلون فكرة إنشاء دولة كردية؟ إذا كنا قد سألنا هذا السؤال قبل أعوام قليلة مضت، لكان الجواب بكل بساطة وبدون تفكير أن الدول المجاورة لإقليم كردستان لا تقبل بالدولة الكردية، أما الآن فقد تغيرت الموازين وانقلبت المعادلات الإقليمية والدولية؛ فالعراق لم يعد لديه السيادة على أراضيه وليس لديه مركز قرار قوي وموحد ليرغم الإقليم الكردي على أن يبقى ضمن دولة العراق.

أما إقليميا – وبغض النظر عن وجود تنظيم الدولة من عدمه – أصبحت المنطقة ساحة لتصفية الحسابات بين الدول الكبرى، وأصبحت ميدانا للصراع بين شتى أقطاب العالم بحيث وصلت الى حد الاصطدام العسكري – إسقاط طائرة روسية من قبل تركيا مثلا – ففي هذه المنطقة نرى الصراع الغربي الروسي، والصراع التركي الإيراني القديم المتجدد، ونرى الصراع الطائفي (السني الشيعي).

كل هذه الصراعات تستوجب على القائمين عليها إيجاد أكبر مساحة لها في المنطقة، واستقطاب أكبر عدد من الدول أو الكيانات لها، وتظهر آثار هذا الصراع في إقليم كردستان العراق بشكل واضح، فالإقليم نفسه منقسم على هذه الأقطاب، ففي حين أن الحزب الرئيسي الكردي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) برئاسة مسعود البارزاني والذي هو رئيس إقليم كردستان منجذب ويميل الى القطب (الغربي التركي السني)، في مواقفه وتحركاته ومدى نفوذ ذلك القطب في المناطق الكردستانية لا سيما الخاضعة للحزب الديمقراطي والاتحاد الإسلامي الكردستاني المحسوب على الإخوان المسلمين.

نرى في الجانب الآخر الحزب الرئيسي الآخر (الاتحاد الوطني الكردستاني) برئاسة جلال الطالباني الرئيس السابق للعراق ومعه حركة التغيير والجماعة الإسلامية يخضعون للنفوذ (الإيراني الروسي) تماما، وقد ظهر هذا جليا في التحركات العسكرية التركية الأخيرة قرب مدينة الموصل، فقد اعتبر الجانب الكردي المائل الى القطب (الغربي التركي السني)، دخول القوات العسكرية التركية أمرًا اعتياديًا في ظل الظروف الراهنة ووجود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لكن الجهة المقابلة المتأثرة بإيران وروسيا، تظاهرت ضد دخول القوات التركية إلى العراق وكانت عقيلة جلال الطالباني في مقدمة المظاهرة، في حين لا يخفى على أحد الوجود الإيراني العسكري والسياسى وتحركات قاسم سليماني في العراق والإقليم، كل هذا الصراع القديم الجديد منذ صراع (الصفويين ـ العثمانيين)، إلى صراع (إيران ـ تركيا)، يجعل من حلم الدولة الكردية أمرا ليس هينا، لأن إيران ليست مستعدة للتخلي عن منطقة نفوذها ولن تترك المجال لتركيا بأن تنشئ دولة موالية لها تكون متاخمة حدوديا مع إيران.

لكن من الجهة الثانية، الأكراد يعتبرون هذا الصراع بين الأقطاب نقطة قوة وفرصة لهم، لأن من يحقق حلم الأكراد بالدولة سيكونون معهم، ولذلك فالأتراك الذين لم يكونوا أصلًا يعترفون بقومية اسمها الكردية، نرى الآن رئيس جمهوريتها (رجب طيب أردوغان)، ورئيس الوزراء (أحمد داود أوغلو) يستقبلون رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني في منتصف كانون الأول 2015 وفي أواخر نفس الشهر استقبلوا نيجيرفان البارزاني رئيس وزراء إقليم كردستان، استقبلهما بعلم كردستان رسميا، ولأول مرة.

كما استقبل أردوغان البارزاني في القاعة المخصصة لرؤساء الدول، وقبل هذه الزيارة، زار رئيس إقليم كردستان المملكلة العربية السعودية ودولة الإمارات، فاستقبله ملك السعودية وأمير الإمارات، وفضلًا عن التغيرات التي طرأت على مواقف تلك الدول وخاصة دول الخليج، ففي فترة حكم نظام صدام حسين في العراق، الدول العربية كانت تعارض وبشدة فكرة إنشاء دولة كردية، لأن العراق حينها كان تحت حكم سني وقد حارب هذا النظام إيران لمدة ثماني سنوات، ولذلك كانت الدول العربية تعتبر العراق سدًا منيعا للهيمنة الإيرانية، لكن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق (2003) أصبح السنة العراقيون مهمشين والشيعة بهيمنة إيرانية كاملة هم من يحكمون العراق.

ووصلت سوء العلاقات العراقية الخليجية الى ذروتها في فترة حكم رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الذي أوصل تلك العلاقات الى حد القطيعة، فبتلك المعطيات الجديدة على الساحة العراقية، لا تعتبر دول الخليج إنشاء دولة كردية كأنها تقطع قسمًا من الوطن العربي، بل يرونها إنقاذ ما يتبقى من منطقة نفوذهم في العراق، ولذلك يستشعر السياسي والشارع الكردي بتغير اتجاه الرياح وعلى الأغلب بما تشتهيه سفينة الدولة الكردية.

وكما تغير نمط التفكير عند الدول الإقليمية والمجاورة لإقليم كردستان، الأكراد أيضا غيروا استراتيجيتهم للحصول على مرادهم، فسابقًا كانوا يحاولون التأثير على المجتمع الدولي والدول الكبرى بتقديم أنفسم كأصحاب حق وأن حقهم في تحديد المصير تم سلبه منهم وباستراتيجية المظلومية، وبالتالي عن طريق القنوات الدولية يؤثرون على الدول الإقليمية لإقناعهم بالدولة الكردية، لكنهم الآن يعملون بشكل معاكس، يحاولون إرضاء الدول الإقليمية ليس فقط من خلال كونهم مظلومين وبأحقيتهم لأراضيهم، بل أيضًا بتقديم النقاط المشتركة بينهم وبين تلك الدول، والأهم إيجاد المصالح المشتركة بينهم، وعن طريق تلك الدول يؤثرون على المجتمع الدولي لقبول الدولة الكردية، لأنه إذا أقنعت تركيا مثلًا أقنعت أوروبا، وإذا أقنعت الدول الخليجية، رضت أمريكا وبريطانيا، كل هذه التحولات في المواقف والتغيرات في المعطيات، تجعل من إنشاء الدولة الكردية ممكنا، وقريب الحصول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأكراد
عرض التعليقات
تحميل المزيد