ربما تستغرب – أيها القاريء النبيل – إن أخبرتك بأننا في هاته الأيام الحبلى بالطائفية المقيتة ألفينا بعض علماء الشيعة، يتكلمون باسم الله والمذهب، ويحرضون الناس على إحياء فلسفة الكراهية ضد الكرد بدعوى أنهم من الجن وقد أمر الأئمة المعصومون بقتلهم، وإبادتهم، وبهذا يريدون محو آية من آيات الله تعالى المتجسدة في اختلاف الألسن واللغات، وهم يرفعون عقيرتـهم بالسب والشتم والتهديد للكرد بالإبادة.

بل صرح نائب سابق في مجلس النواب العراقي بأن الكرد مارقون وسوف يستأصلهم الإمام المهدي في أول استقرار له في العراق، وبتحريك محرك البحث في الغوغل يظهر لك بعض مقاطع الفيديو، يظهر فيها بعض المعممين في المذهب الشيعي ينددون بالكرد سبًا وشتمًا ولعنًا، ويحرضون الناس باسم الله والأئمة على قتلهم وإبادتـهم، وبعضهم يستغل المنابر الحسينية لنشر فكره الإرهابي الطائفي الشعوبي.

ولهاته الفتاوى الإرهابية الباطلة جذورها في كتب التاريخ والمذهب، فالمتفحص لكتب التاريخ والمذهب يفاجأ بروايات مزيفة تنسب الكرد إلى الجن، ومن ثم تـحرم التعامل معهم بيعًا وشراءً ومناكحةً وكافة العلاقات الاجتماعية.

ولذلك جاءت خرافات وأسطورات حول أصل الكرد وصفاتهم تسربت إلى عقول بعض المؤرخين وقدموها للناس كأنها حقائق، لقد رأينا الزبيدي ينقل عن مؤرخ شيعي كبير مثل المسعودي أنه ذكر أن من الناس من ألحق الكرد بإماء سليمان عليه السلام حين وقع الشيطان المعروف بالجسد على المنافقات فعلقن منه وعصم منهن المؤمنات فلما وضعن قال اكردوهن إلى الجبال منهم ميمون بن جابان أبو بصير الكردى قاله الرشاطي عن أبيه.

ومنهم من قال: إن أصل الكرد من الجن، وكل كردي على وجه الأرض يكون ربعه جنيًا، وذلك لأنـهم من نسل بلقيس، وبلقيس بالاتفاق كانت أمها جنية –كما قالوا-.

وقيل: عصى قوم من العرب سليمان عليه السلام وهربوا إلى العجم فوقعوا في جوار كان اشتراها رجل لسليمان -عليه السلام- فتناسلت منها الأكراد.(1)

وثمة رواية ذكرها بعض العلماء كالإمام السيوطي في «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» عن بعضهم، والمشهور أنه ابن عباس: أن الله جعل الغيرة عشرة أجزاء، فتسعة منها في الأكراد، وواحد في سائر الناس.(2)

وأنا لا تـهمني هنا أن تكون هاته الرواية صحيحةً أو عليلةً، بيد أن مما يثير الاستغراب هو أن بعض من لا يعجبه هذا الوصف للكرد من علماء الشيعة الإمامية، جاء وحرف النص وجعل (الغي) مكان (الغيرة)، ومن هؤلاء أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي –وهو أحد علماء الشيعة- حيث نقل الرواية بوجهها السلبي وقال: «وجعل –أي الله- الغي عشرة أجزاء: فتسعة منها في الأكراد، وواحد في سائر الناس».(3)

وهكذا بجرة قلم يجعل الحمق والغباء عشرة أجزاء، ويجعل للكرد منها تسعة أعشارها!

وجاءت بعد ذلك روايات مختلقة، ونسبت زورًا وبـهتانًا إلى بعض من أئمة أهل البيت –عليهم السلام-، فيها الطعن في الكرد، ومن ثم بنى عليها بعض العلماء في المذهب الشيعي اجتهادات باطلةً لا تمت إلى الإسلام بصلة.

فقد روى الكليني والطوسي والشيخ الصدوق والحر العاملي والمجلسي وعلي النمازي وغيرهم عن أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: إن عندنا قومًا من الأكراد وإنـهم لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم ونبايعهم؟ فقال: يا أبا الربيع لا تخالطوهم، فإن الأكراد حي من أحياء الجن كشف الله عنـهم الغطاء فلا تخالطوهم.(4)

وعن أحمد بن أبي عبد الله وغيره أنه كتب إليه يسأله عن الأكراد فكتب إليه لا تنبهوهم إلا بحد السيف.(5)

وعن أبي الربيع الشامي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ولا تنكحوا من الأكراد أحدًا فإنـهم جنس من الجن كشف عنـهم الغطاء.(6)

ومن المستغرب أن تجد من يأتي ويستدل بـهذه الروايات الباطلة على حرمة أو كراهة مخالطة الكرد بيعًا وشراءً ومناكحةً وغيرها من العلاقات الاجتماعية.

يقول الطوسي: «وينبغي أن يتجنب مخالطة السفلة من الناس والأدنين منـهم، ولا يعامل إلا من نشأ في خير، ويجتنب معاملة ذوي العاهات والمحارفين. ولا ينبغي أن يخالط أحدًا من الأكراد، ويتجنب مبايعتهم ومشاراتهم ومناكحتهم».(7)

ويقول يحيى بن سعيد الحلي: «ويكره تزويج الأمة المسلمة مع وجود الطول وأمن العنت، ولا يبطل العقد. ويكره تزويج السليطة والمجنونة، وغير العفيفة، والحمقاء، والحسناء في منبت السوء، وغير الحضرة والعقيمة، وإن كانت جميلة، والكردية، والسود، إلا النوبة، وغير السديدة في الاعتقاد، والزانية، والسيئة الخلق، وبضرة أمه كانت مع غير أبيه، وقابلته وابنتها، وبأخت أخيه نسبًا ورضاعًا». وبه قال أبو جعفر محمد بن علي الطوسي، والعلامة أبو منصور الحلي، وأبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي، والشهيد الثاني (زين الدين بن علي العاملي، والسيد علي الطباطبائي.(8)

فانظر –رحمك الله -كيف جمع الكردية مع الزانية والسليطة والمجنونة، وغير العفيفة، والحمقاء، وغير السديدة في الاعتقاد، والسيئة الخلق!

وينقل هشام آل قطيط في كتابه (سلوا عليًا عن طرق السموات والأرض) عن محمد مهدي زين العابدين النجفي في كتابه الموسوم (بيان الأئمة للوقايع الغريبة والأسرار العجيبة) رواية مختلقةً زورا وبهتانا على سيدنا أمير المؤمنين علي -كرم الله وجهه وعليه السلام– أنه قال: ويل للبغداديين من سيوف الأكراد».(9)

ثم يذكران كذلك أن الإمام القائم عليه السلام يحارب الأكراد فيقضي عليهم ويغلبهم فيقتل من يقتل منهم، والباقي يكونون تحت طاعته ويمتثلون أوامره ونواهيه فيدخلون تحت سيطرته طوعًا أو كرهًا. (10)

ولا أدري كيف جهل أوتجاهل صاحب الرواية أن بغداد لم تبن إلا بعد استشهاد سيدنا علي كرم الله وجهه بأكثر من مائة عام بأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.

وأنا أعلم أن هاته الروايات الطائفية والنظرة الشعوبية المقيتة لا تمثل رأي جميع علماء المذهب الشيعي، ولا يرتضيها جلهم، وحمدًا لله سمعنا صوت بعض العلماء الغيارى من المذهب الشيعي قد صدحوا بالحق دونما مواربة، وصرحوا بأن الكرد هم إخوة لهم في الدين، بيد أننا لم نجد من المرجعيات الكبيرة والعلماء المرموقين والجهات الحكومية الرسمية ذات الصلة بالموضوع كديوان الوقف الشيعي من أنكر على هؤلاء المعممين الفوضويين الذين يشعلون فتيل حرب طائفية بين أبناء القوميتين العربية والكردية، أو بين أبناء المذهبين الشيعي والسني، وتصدى لمثل هاته الروايات الباطلة بقوة، وبين أنها موضوعة ملفقة لا تـمت إلى الأئمة بصلة حتى لا يستغل المذهب الشيعي ويتخذ ذريعةً لنشر الكراهية والعنف بين أفراد الأمة المسلمة.

فلذا أدعو السادة من المرجعيات والعلماء والجهات ذات الصلة إلى إصدار بيان عاجل حول هذا الموضوع، هل الكرد حقًا من أبناء الجن وأحفاد المومسات، وينبغي عدم مخالطتهم والتعامل معهم، ويجب قتلهم وذبحهم بحد السيف كما روي افتراءً عن سيدنا أبي عبد الله جعفر الصادق –عليه السلام-؟ أو هم إخوة لكم في الإنسانية والدين، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم؟

وينبغي أن لا ننساق وراء التصرفات الطائشة من بعض السياسيين والمعممين والطائفيين من المذهبين.

وها أنا أبرأ إلى الله تعالى من كل رواية أو فتوى أو تصرف يستباح بها دم إنسان بريء، أو تسيء إليه بغير حق، شيعيًا كان أو سنيًا، كرديًا كان أو عربيًا أو تركيًا أو فارسيًا أو غيرهم، مسلمًا كان أو مسيحيًا أو يهوديًا أو إيزيديًا أو صابئيًا، مؤمنًا كان أو ملحدًا او ربوبيًا أو شكوكيًا، اللهم فاشهد.

فيا أيها السادة رفقًا بهاته الأمة المنكوبة، واستعجلوا بالتصدي لهؤلاء المحرضين قبل فوات الأوان، حتى لا تسفك بسبب تلكم الروايات والفتاوى دماء بريئة من الطرفين فنندم حينئذ، ولات ساعة مندم؟!

ولنمد أيدي التعاون والتآزر، ولتكن عقولنا هي الفقيهة المفكرة قبل أن تنسج عليها أكنة، وليعمل الجميع معًا جاهدين لسد تلكم الثغرات، وإخصاب ذاك البوار، بدل أن نلجأ إلى إبداء المعاذير وإلقاء تبعات كل نقص وخوار على الغير، وقديـمًا قال أجدادنا: بدل أن تلعن الظلام أوقد شمعةً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1) الزبيدي:تاج العروس، ج2/485.
2) جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت911هـ): حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة/ دار السلام للطباعة والنشر/القاهرة – ط2 سنة 1424هـ- 2004م:ج1/329
3) معدن الجواهر ورياضة الخواطر تأليف أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي تحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية- مطبعة مهر استوار – قم 1394 ه‍:ص71.
4) أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني (ت 329هـ): الكافي-تحقيق: علي أكبر غفاري- دار الكتب الإسلامية- آخوندي-إيران-الطبعة الثالثة سنة 1388هـ: ج5/158، وشيخ الطائفة ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ): تهذيب الأحكام -تحقيق: السيد حسن الخرسان –مطبعة خورشيد-إيران-الطبعة الرابعة سنة 1365هـ ش: ج/11، والشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الشهير بالشيخ الصدوق (ت 381هـ): من لايحضره الفقيه – تحقيق: علي أكبر غفاري-نشر جامعة المدرسين- إيران-الطبعة الثانية سنة 1404هـ: ج3/164، والشيخ الصدوق: علل الشرائع -المطبعة الحيدرية في النجف-سنة1386هـ-1996م: ج2/527، والحر العاملي محمد بن الحسن (ت 1104هـ): وسائل الشيعة -تحقيق:مؤسسة آل البيت لإحياء التراث-مطبعة مهر-قم-الطبعة الثانية سنة 1414هـ: ج 17/ 416، ومحمد باقر المجلسي (ت 1111هـ): بحار الأنوار -مؤسسة الوفاء-بيروت- الطبعة الثانية المصححة سنة 1403هـ-1983م:ج60/73، وج100/ 83، والشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت 1405هـ): مستدرك سفينة البحار – تحقيق نجل المؤلف حسن بن علي النمازي-مؤسسة النشر الإسلامي-قم-سنة 1419هـ: ج9/91.
5) الكليني: الكافي، ج7/297، والحر العاملي: وسائل الشيعة، ج82/ 382، والشيخ علي النمازي: مستدرك سفينة البحار، ج9/91، والشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام، ج10/211.
6) الكليني: الكافي، ج5/352، و، والشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام، ج7/405، والعلامة الحلي (جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي المطهر الحلي (ت 726هـ): تذكرة الفقهاء -نشر مكتبة الرضوية لإحياء الآثار الجعفرية-إيران:ج2/569، وابن فهد الحلي (جمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد (ت 841هـ): المهذب البارع في شرح المختصر النافع – تحقيق: الشيخ مجتبى العراقي-مطبعة جامعة المدرسين-قم-سنة1407هـ: ج 3 /182، وابن ابي جمهور الأحسائي (ت 880هـ): عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية، تحقيق: السيد المرعشي والشيخ مجتبى العراقي- مطبعة سيد الشهداء-قم-الطبعة الأولى سنة 1403هـ-1983م: ج3/302.
7) شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (ت 460هـ): النهاية في مجرد الفقه والفتاوى -طبعة دار الأندلس-بيروت- اوفست منشورات القدس-قم: ص 373.
8) يحيى بن سعيد الحلي (ت 689هـ): الجامع للشرايع، تحقيق لجنة بإشراف الشيخ السبحاني-مؤسسة سيد الشهداء- طبعة 1405هـ-المطبعة العلمية بقم: ص245 و 431. ويحيى بن سعيد الحلي: نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر -تحقيق: أحمد الحسيني ونور الدين الواعظي -مطبعة الآداب- النجف سنة 1386هـ: ص 98، وبه قال أبو جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة (ت 560هـ) في كتابه: الوسيلة إلى نيل الفضيلة -تحقيق: محمد الحسون-مطبعة خيام-قم-الطبعة الأولى سنة 1408هـ: ص290. والعلامة الحلي (جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي المطهر (ت 762هـ) في كتابه “منتهى المطلب”-مقابلة حسن بيشنماز-نشر حاج احمد- تبريز- إيران-سنة 1333هـ: ج2/ 1003، و أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلي (ت 598هـ- في كتابه ” السرائر”-تحقيق لجنة- مطبعة حامعة المدرسيين –قم سنة 1410هـ: ج2/ 233، والشهيد الثاني(زين الدين بن علي العاملي (ت 966هـ) في “مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام” تحقيق: مؤسسة المعارف الإسلامية- مطبعة بهمن-قم- الطبعة الأولى سنة 1413هـ: ج3/186، و السيد علي الطباطبائي (ت 1231هـ في “رياض المسائل” مطبعة الشهيد –قم- نشر مؤسسة آل البيت سنة 1404هـ: ج1/520، ووج8/ 162.
9) بيان الأئمة للوقائع الغريبة والأسرار العجيبة، الحاج الشيخ محمد مهدي، دار المحجة البيضاء، الطبعة الثانية،1424هـ- 2003م، بيروت:1/498، و سلوا عليا عن طرق السموات والأرض، هشام آل قطيط، منشورات الفجر، بيروت، الطبعة الثانية، 1427هـ- 2006م: ص:421-422.
10) بيان الأئمة للوقائع الغريبة، ج1/500، و سلوا عليا عن طرق السموات والأرض، ص:422.
عرض التعليقات
تحميل المزيد