المشاريع الانفصالية في الوطن العربي لا تهبط علينا من فراغ، إنما يتم التأسيس لها بشكل حثيث، وهي تبدأ دوما بنفي عروبة بلادنا، تحت عناوين قومية أو عرقية أو إنسانية أو دينية وغيرها، وذلك لتكريس الهويات الفرعية والاعتراف بها كمكونات رئيسة، بحيث تؤدي إلى إضعاف الدولة المركزية وتقليص صلاحياتها؛ مما يفضي في ظروف بلادنا بالذات إلى خلق بيئة حاضنة لتفكيك البلد وتهديد استقراره الداخلي، وهو ما رمى إليه الاحتلال الأمريكي والبريطاني بالضبط عندما شطب الدولة المركزية العراقية وحل الجيش العراقي وكافة مؤسسات الدولة، فما يطرح عندنا هو تفكيك الموحد لا توحيد المفكك، مما يصب موضوعيًا في مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يهدف إلى تفكيك وتفتيت المنطقة بالإضافة إلى شطب هويتها الحضارية الجامعة.

ضمن هذا السياق كانت الدعوة للاستفتاء على انفصال واستقلال إقليم كردستان شمال العراق تتمة لفدرلة (تقسيم) العراق وغزوه، ولانفصال جنوب السودان ولتقسيم ليبيا واليمن وغيرها من البلاد العربية، وذلك في سعي من الدول الغربية والمؤسسات الدولية لفرض (اللامركزية الإدارية) من خلال تقنين هويات وحقوق الأقليات دستوريا؛ مما ينتج عنه تمييع وشطب الهوية العربية الإسلامية الوطنية الجامعة في وطننا العربي، وتقزيم المشكلة لتصبح قصة مناطق متنازع عليها فقط، وكل ذلك تحت مسمى نشر الديموقراطية.

فدائما ما تكون قصة الأقليات الحقيقية منها والمخترعة مفتاح تفكيك للأرض والشعب والدولة كما جرى في أكثر من قُطر عربي ويجري في العراق، وقد تجلى ذلك في الدستور العراقي في ظل الاحتلال الأمريكي عام 2003م، الذي تبنى فكرة النظام الاتحادي (الفيدرالي) وتبنى فكرة التعددية القومية والعرقية بديلًا لعروبة العراق، كما وسمح لكل محافظة أو أكثر من أن تنتظم في إقليم خاص بها (لا يمكن إلا أن يأخذ لونا طائفيا أو عرقيا) يتمتع بصلاحيات واسعة، إضافة إلى شطب الهوية العربية الجامعة للعراق، واعتبار اللغتين العربية والكردية لغتين رسميتين (على قدم المساواة)، وطبعا النتيجة الطبيعية لتلك الصيرورة، بالرغم من الضوابط الدستورية والقانونية التي تؤكد على وحدة العراق وسلامة أراضيه، سوف تؤدي جميعها بالضرورة إلى تقويض الوحدة الوطنية للعراق وسلامة أراضيه، وإلى زيادة جميع أنواع نزعات التشظي والانفصال والتنافر مع المركز، وهو ما رأيناه ونراه من نزوع دائم لدى القيادات الكردية في شمال العراق للانفصال.

القيادات الكردية في شمال العراق كادت تقود الأخوة الأكراد إلى حصار وحروب ومجازر لا يحمد عقباها، وذلك في ظل رفض كل دول المنطقة لانفصال شمال العراق، وشعور الغرب أن تسويق المشروع الذي أسس له سابق لآوانه اليوم، حيث إن المستفيد الوحيد منه الآن هو الكيان الصهيوني الذي دعم ويدعم الفكرة بحماسة بالغة، وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها توظيف هذه المسألة من قبل الغرب والصهيونية ليترك الأخوة الأكراد بعدها يدفعون الثمن وحدهم.

فكردستان العراق هي جنة النفط التي ينبع منها 75% من النفط المتدفق إلى إسرائيل، إضافة إلى أن العديد من الاستثمارات الموجودة في كردستان العراق الآن مملوكة من قبل شركات إسرائيلية، والتي يديرها جنرالات احتياط من الجيش الإسرائيلي، ومنهم رئيس الموساد السابق داني باتوم.

كما أن التتبع التاريخي الموجز للعلاقات شديدة الدفء، والتي تمتد إلى ما يتجاوز الخمسين عاما بين الأكراد وإسرائيل، تبين أن حقيقة الرابط بينهم له جذور قديمة وأبعادا تفوق الاعتقاد بأن إسرائيل تدعم الأكراد لمجرد الانفصال فقط، مما يصب موضوعيا في مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يهدف إلى تفكيك وتفتيت المنطقة بالإضافة إلى شطب هويتها الحضارية الجامعة، لكن ذلك أيضا يأتي في سياق مخطط له صهيونيا، فنظرية دول الطوق الثالث التي أرساها (ديفيد بن جوريون) تنص على ضرورة إقامة تحالفات مع دول لا تجمعها حدود مشتركة مع إسرائيل، لكن تجمعها مصالح مشتركة، وليس هناك أفضل من الأكراد.

فدعم وتماهي الكيان الصهيوني مع الحالة الكردية هو تماه ثقافي، حيث يذكر أنه في العام 2001 نشرت صحيفة هآرتس دراسة أجرتها الجامعة العبرية في القدس المحتلة تفيد بأن الشعبين (الكردي والإسرائيلي) تجمعهما أصول متشابهة تعود إلى ما قبل التاريخ وخاصة أكراد العراق وتركيا، وأن الشبه بين اليهود والأكراد أكبر من الشبه بين اليهود وعرب فلسطين.

هذا وإن الأدلة على التعاون بين الكيانين كثيرة، وتبدأ من أن مصطفى البرزاني رئيس إقليم كردستان السابق، ووالد الرئيس مسعود البرزاني زار إسرائيل لأول مرة عام 1966، كما تم تفجير مصفاة النفط العراقية الموجودة في كركوك عام 1969م بتعاون مشترك بين البرزاني والموساد، ومرورا بنكسة 1967، حيث ذبح البرزاني كبشا ملفوفة حول عنقه علم إسرائيل ومكتوبا عليه (هنيئا لإسرائيل)، وذلك في إشارة إلى أن الولاء الكردي لإسرائيل لا للعرب، طبعا دون أن ننسى كيف كان السلاح الإسرائيلي يتدفق إلى الأكراد للإبقاء على شرارة ثورتهم ضد النظام العراقي مشتعلة، فقد كان الاتصال بين إسرائيل والأكراد آنذاك بوساطة شاه إيران، الذي رأى أن إضعاف القوات العراقية وانشغالها بقتال الأكراد في مصلحة إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية، هذا واستمر تطور الوجود العسكري الإسرائيلي في (كردستان العراق) شيئا فشيئا، حتى وصل إلى عصره الذهبي مع بداية الغزو الأمريكي للعراق 2003، وذلك عندما خرج التصريح الشهير من أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بأن بلاده تقيم علاقات قوية مع أكراد شمال العراق منذ زمن بعيد.

وهكذا نرى كيف عملت إسرائيل على تقوية أكراد شمال العراق لسنوات، ليكونوا لها درعا في الماضي من إيران الإسلامية وبغداد الصدّامية. كما وتعمل اليوم على تقويتهم ليكونوا لها سلاحا تصوبه إلى وجه المربع المشتعل (العراق – إيران – سوريا – تركيا) والذي أصبح أمنهم جميعا مهددا، حيث إن انفصال (استقلال) الأكراد لو حصل لن يكون قاصرا على أكراد العراق فحسب، بل سيكون ذلك نواة لجذب الأكراد شمالي وشمال شرقي سوريا و20 مليون كردي في شرق تركيا و15 مليون كردي في غربي وشمال غربي إيران، بحيث أن حزب العمال الكردستاني الذي كان بلا دولة داعمة طوال مسيرته، باتت له الآن دولته الداعمة التي ستغذيه بالمال والعتاد وتوفر له الملاذ الآمن ومعسكرات التدريب وكل شيء يحتاجه.

كل هذا يعني في نهاية الأمر العمل على نشأة دولة كردية قوية مستقبلا يربطها ميثاق غليظ مع إسرائيل، وحتى يتراجع أيضا شعور إسرائيل بالوحدة بين شعوب المنطقة، كما وسوف تصبح هذه الدولة الوليدة ورقة ضغط لا يستهان بها على القوى الفاعلة في المنطقة، وذلك في حال أرادت هذه الدول أو القوى المساس بأمن إسرائيل أو السير في طريق ضد أو تعارضه إسرائيل، أضف إلى ذلك كله أن استقلال (كردستان العراق) إن تم الآن أو مستقبلا هو المعادلة الغربية الصهيونية الناجحة للبدء بتقسيم العراق بصورة رسمية ولتقسيم ليبيا واليمن وغيرها من البلاد العربية مستقبلا.

وهكذا نرى كيف لم تضِع سنوات العناء التي قضتها إسرائيل في تهيئة الأجواء الكردية لها داخليا، وذلك بإزكاء النزعة الانفصالية المتواجدة فيهم بطبيعة الحال، حتى أصبح الأمر يتجاوز النظر إليه باعتباره تعاونا عسكريا بين كيانين كل منهما يرغب في الاستفادة من الآخر، حيث نجحت إسرائيل في أن تسوق لنفسها في الداخل الكردي على أنها المخلص للأكراد من الاضطهاد، وأنها الدولة الوحيدة في العالم التي تهتم بقضايا المقهورين والمظلومين، وما صدور العدد الأول من مجلة (يسرائيل ــ كورد)، وهي مجلة كردية تصدر برعاية سلطات كردستان، تفرد في كل عدد منها صفحات طوال وتحقيقات ودراسات حول العلاقات الإسرائيلية الكردية، إلا دليلا إضافيا على ذلك، وبهذا حصدت إسرائيل ثمرة لم تكن تحلم بها يوما، فشعب الأكراد يدعم إسرائيل، بعد أن اعتادت على أن تكون صديقة للحكومات وعدوة للشعوب.

فالأكراد كانوا في مراكز الاقتراع وفي الشوارع، يرفعون الأعلام الإسرائيلية بجوار أعلام (بلدهم)، ليس لأنها دعمتهم فقط، بل لأّنهم يرون في إسرائيل نموذجا للدولة التي يريدون أن يكونوا عليها، ويرون فيها شقيقتهم في العناء والمثابرة على حق تقرير المصير، بالرغم من عداوة الجوار، فهي مثلهم، دولة حاولت أن تبحث عن وطن لها وسط استهجان من العالم، كما يقول أحد المواطنين الأكراد.

لهذا يجب أن يكون موقفنا كعرب دوما وأبدا الرفض التام لدعوات فدرلة (تقسيم) العراق ودستورها ومحاولة اعتبارها دولة متعددة القوميات والأعراق كبديل لهويتها العربية، كما نقف في الوقت عينه مع حق الأخوة الأكراد في الحصول على حقوق مواطنة كاملة ومتساوية مع غيرهم من المكونات (العرب) حيثما وجدوا، أما مشاريع التقسيم والتفتيت والاحتلال فتلك قصةٌ أخرى، وليس ذلك من قبيل التعصب للعروبة، فكل الأمم تعيش فيها أو إلى جانبها أقليات قومية وعرقية، وكثيرا ما تتشكل الأمم من عدة طوائف، لكن ذلك لا يدعو بتاتا لشطب الهوية القومية للشعب والأرض، ومنه فإن استقلال كردستان العراق هو مؤامرة أمريكية صهيونية بإمتياز لتقسيمه وتفتيت المنطقة، ولن يكون هذا التقسيم قَصرا على العراق، فربما يمتد إلى دول عربية وشرق أوسطية أخرى أهمها المملكة العربية السعودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد