«ليس لدى تركيا مشكلة مع الكرد؛ بل مشكلتها مع حزب العمال الكردستاني (PKK)»، هذه المقولة ليست لأردوغان، ولا لأي مسؤول تركي آخر؛ إنما هو تصريح لرئيس إقليم كردستان العراق «نيجيرفان البارزاني» جاء في سياق حديثه عن العملية العسكرية التركية الأخيرة المسماة «نبع السلام» بشمال سوريا؛ حيث تعالت الأصوات الداخلية بأن واشنطن باعت كرد سوريا بثمن بخس، وخانت حليفها الذي حارب «داعش» نيابة عنها، لكن بعيدًا عن واشنطن وموقفها غير الغريب بتاتًا، لم نر حكومة إقليم كردستان تنجد بني جلدتها، رغم ما لديها من قوات قتالية كبيرة ومدربة، وأسلحة متطورة، ومصادر مالية ضخمة، وباستطاعتها تحريك تلك القوات دون الرجوع لبغداد، لكنها لم تحرك ساكنًا.

حتى الإدانات استعصت عليها

مع بدء الهجوم التركي على الشمال السوري، كان هناك ترقب لموقف إقليم كردستان؛ وهو يرى الحرب تطحن أبناء الجلدة، يُقتلون ويُهجرون، خاصة وأن الإقليم شبه دولة، يتخذ قرارته بمعزل عن بغداد، ولديه مئات الآلاف من المقاتلين والأسلحة الثقيلة نسبيًّا، لكن لم يحدث شيء، حتى دون أن يكلف نفسه عناء إصدار إدانة مباشرة للهجوم التركي، بل اكتفى ببيانات عمومية مطاطية – على مستوى المؤسستين التشريعية والتنفيذية- لم تتطرق إلى اسم تركيا، وذلك فيما يبدو رفعًا للإحراج. نعم، لقد اختفى اسم تركيا من تلك البيانات تمامًا، لدرجة أنك كنت لتشك وتتساءل: حول ماذا؟ ومن المستهدف في البيانات؟ وحتى على مستوى رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس الإقليم السابق «مسعود البارزاني» شخصيًّا، الرجل الأكثر نفوذًا، والذي لديه أكثر من 150 ألف مقاتل، لم يساعد البارزاني كرد سوريا، وحتى في بيانه المقتضب لم يشر إلى اسم تركيا أيضًا، وكذلك الحال بالنسبة للاتحاد الوطني الكردستاني، الشريك الآخر للسلطة في الإقليم، ولديه علاقات وطيدة مع حزب العمال الكردستاني، هو الآخر؛ لم ينبس ببنت شفة، وأما «حركة التغيير» التي كانت لا تترك شاردة ولا واردة سياسية إلا وانتقدت الحزبين الحاكمين؛ لارتباطهما القوي بأنقرة وطهران، وتتهم الحزبين بالعمالة لهاتين العاصمتين، وكانت تصعد من لهجة خطابها (الثوري) عند أي تحرك تركي في الشمال السوري، لكن الموقف جاء مختلفًا هذه المرة تمامًا؛ إذ اصطف هو الآخر مع «الحزب الديمقراطي» و«الوطني الكردستاني» في اللوذ بالصمت.

ومن المفارقات الغريبة أن الحزبين الإسلاميين في إقليم كردستان (الاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية) هما فقط من أدانا الهجوم التركي بعبارات واضحة وصريحة، ما ترك تساؤلات عدة: لماذا هذا التحاشي للأحزاب الثلاث المُشَكِّلة للحكومة في إقليم كردستان لإدانة أو حتى الإشارة لاسم تركيا؟ لماذا هذه الخشية؟ ولما التجنب؟ هل باعت بني جلدتها لأجل مصالح؟ أم أن الأمر يقتضي هذا النوع من التعامل مع الهجوم التركي؟ أم هو خذلان حكومة إقليم كردستان لكرد سوريا؟

ثأر مع العمال الكردستاني

حديث رئيس إقليم كردستان حول حزب العمال الكردستاني وإضفاؤه الشرعية على العملية العسكرية التركية، بذريعة محاربة PKK، والصمت المريب للأحزاب الحاكمة في الإقليم، ليس وليد اليوم، بل ثأرًا قديمًا لم تندمل جراحاته بعد؛ فالحزبان الرئيسان (الديمقراطي والوطني) حاربا حزب العمال الكردستاني في تسعينيات القرن الماضي، حتى وصل الأمر حينها إلى حد قيام «الحزب الديمقراطي» بالاستعانة بتركيا، وإثر ذلك دخلت أرتال عسكرية تركية من دبابات ومدرعات وحاملات جنود، أراضي إقليم كردستان العراق في خريف 1997، ووقفت تلك القوات جنبًا إلى جنب مع مسلحي «الديمقراطي» لمقاتلة حزب «العمال الكردستاني»، ومنذ ذلك الحين توجد قواعد عسكرية تركية في إقليم كردستان العراق، لذلك لا تستغربوا من تصريحات المسؤولين الكرد العراقيين المؤيدة ضمنيًّا للعملية العسكرية التركية، لأن عدوهم واحد؛ «العمال الكردستاني»، وهم يتشاركون حاليًا للقضاء عليه.

«العمال الكردستاني» يمتلك قاعدة عريضة في كردستان تركيا وسوريا وإيران، ويوجد مقاتلو الحزب بقوة في المنطقة الجبلية لكردستان العراق، وهذه الخاصية تفتقدها الأحزاب الحاكمة في الإقليم؛ لذا من مصلحتها الحد من نفوذ «العمال الكردستاني» في شمال سوريا كمرحلة أولى، تليها تقليص نفوذه في كردستان العراق.

المصالح التجارية أكبر من مشاعر قومية عابرة

أبرمت حكومة إقليم كردستان وتركيا اتفاقية خمسينية ضخمة في مجال النفط عام 2013؛ حيث ينقل نفط الإقليم إلى الأسواق العالمية عن طريق تركيا، هذه الاتفاقية غير معلنة، ولم تُخرج مضامينها إلى النور سوى القليل من التسريبات، لكن المؤكد أنها اتفاقية ليست استراتيجية فقط لإقليم كردستان بل مصيرية؛ تركيا شريان الاقتصاد لإقليم كردستان، فهو يبيع نفطه بعيدًا عن أعين بغداد، إنْ أوصدت تركيا هذا الباب سيقع الإقليم في مأزق مالي واقتصادي كبير، إقليم كردستان يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة جذبت كبار الشركات العالمية على غرار (إكسون موبيل وشيفرون، وغاز بروم، وروسنفت)، ما جعله في «النادي العالمي» للنفط. ي وإقليم كردستان ما يقارب 500 ألف برميل يوميًّا من النفط الخام، ويُتوقع زيادة الإنتاج في الفترة المقبلة. الإقليم يحتاج إلى خط مباشر لإيصال نفطه إلى الأسواق العالمية، وإلا سيبقى نفطه خامًا حبيسًا في باطن الأرض. تركيا هي البوابة الوحيدة للإقليم لهذا الغرض؛ فالجانبان أبرما الاتفاق الاستراتيجي لإرسال نفط الإقليم عبر خط أنابيب يصل ميناء جيهان التركي، ومنه إلى الأسواق العالمية، في المقابل تحتاج تركيا وتستفيد إلى حد كبير من النفط الكردستاني؛ فهي تفرض رسومًا على مبيعات النفط المار عبر أراضيها للخارج.

درس قاس في استفتاء استقلال كردستان

بعدما أجرى الكرد في العراق الاستفتاء للاستقلال في عام 2017 ، وصل الأمر إلى حد القتال بين بغداد وأربيل، وتخلت أمريكا وأوروبا عن الكرد في العراق لصالح بغداد، وأغلقت إيران حدودها مع إقليم كردستان، لم يتبق للكرد في الإقليم إلا الحدود التركية التي كانت أيضًا محط خوفهم؛ ففي حال غلق تركيا لحدودها مع الإقليم كان من المتوقع أن يصبح الإقليم في أزمة اقتصادية كبيرة جدًّا، لأنه كان المنفذ الوحيد للكرد، فهي البوابة الخارجية الاقتصادية الوحيدة للإقليم. أكثر من 90% من المواد الغذائية للإقليم تأتي من الحدود التركية؛ إذ يصل حجم التبادل التجاري بين إقليم كردستان وتركيا إلى أكثر من 12 مليار دولار سنويًّا، منفذ إبراهيم الخليل الحدودي مع تركيا ليس فقط الرئة التي يتنفس بها إقليم كردستان؛ بل شريان الحياة لديه، صحيح أن تركيا لم تغلق حدودها مع الإقليم، لكن بعد الاستفتاء توترت العلاقات الكردستانية التركية كثيرًا. الإقليم أخذ درسًا قاسيًا جعله يَعد للعشرة ويفكر مرتين وأكثر قبل أن يُغضِب جيرانه بموقف أو حتى تصريح، وعلى ما يبدو أن حكومة إقليم كردستان، والتنفيذيين الكبار فيها، يفضلون المصالح الاقتصادية على المشاعر القومية والطروحات الانفعالية، واختاروا الالتفاف حول مصالحهم بدلًا من التكاتف مع كرد سوريا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد