قوم على الهامش لأنهم تمردوا على قومية وطن ذات أبعاد جغرافية محددة بالنسبة لهؤلاء القوم لكن من منظور آخر تراه يصارع قومية ذات بعد جغرافي آخر؛ لأنه ينسبها إليه بعدة مفاهيم أهمها ترسيم الحدود على مرجعية استعمارية، هذا التناقض يقتل أي وجهة نظر تقوم على الأبعاد الجغرافية في الوطن العربي كله، هؤلاء القوم ثاروا على عدة أبعاد جغرافية بمبدأ قومي تاريخي خارج الإطار المرجعي الذي يتفاخر به حكام أوطاننا، هؤلاء القوم، إذا ذكرت اسمه تبادر إلى أذهان معظمنا، خانوا وطنهم أو تمردوا على صدام حسين وثاروا على تركيا بمفهوم إرهابي.

أكيد هؤلاء القوم هم الكرد أو كما أصفها فلسطين الثانية، الباحثون عن الحرية والاستقلال من قوميات متعددة إذا ذهبنا إلى سوريا تراهم منعوا من حق المواطنة وفي تركيا منعوا من ممارسة لغتهم وعاداتهم وإيران قتلوا وشردوا وبالحديث عن إيران لا يسعنا غض البصر عن أول دولة للكرد هناك مهاباد، صحيح يذكر التاريخ أنها دولة لكنها كانت امتدادًا للصراع الروسي الإيراني بعد مساندة الشاه لغريم السوفيت هتلر آنذاك، ما قاد السوفيت لصنع إقليم بقيادة محمد القاضي سياسيًّا والبارزاني عسكريَّا لكن بعد أشهر سقط الإقليم بعدما تخلى عنه السوفيت، ويرجع كذلك لضعفهم في البعد السياسي للدول المتناحرة، محمد القاضي قادها على أساس أخلاقي ديني، لكنه يبقى رمزًا من رموز الأكراد بعدما ضحى بنفسه وعائلته لأجل شعبه ثم يستمر الصراع إلى أن يشتد بعد وصول الخميني بانتفاضات طاحنة بينهما إلى أن تخمد بالحديد والنار، لكن الأكراد لم يخمدوا ثورة أحلامهم حتى الآن رغم القمع.

التاريخ يوثق ويؤكد أن الأكراد أقدم من تواجدوا في المنطقة على تركيا لكن، هذا لا يشفع لهم في الاستقلالية من التبعية لمركزية إسطنبول التي لأجلها ثار الأكراد على أتاتورك بعد اتفاقيات بينهما إلا أنها كانت حبر على الورق، زاد التراكم على الحلم مقابل القمع إلى أن انتفظوا لحد الآن بعد اتفاقية لوزان لترسيم حدود تركيا، تلغي حق الأكراد في إقامة كيان مستقل بعدما منحت لهم مقابل إلغاء الخلافة والتخلي عن الدين الإسلامي بقيادة اتاتورك، ثم منعوا من تقاليدهم ولغتهم حتى من أسمائهم ونقلوا من مناطقهم لغرب تركيا، لتبدأ ثورة الأكراد على أساس قضية كفلسطين ليكتبوا من حبر دموي تاريخهم في سبيل تحقيق الحلم بعد تراكم القمع والعنف بانتفاضة الشيخ سعيد بيران، لكنها قمعت بالقتل والإعدامات من أتاتورك ثم انتفاضة أغري بقيادة ضابط الجيش العثماني سابقًا نوري باشا لتمتد أربع سنوات، وانتهت بمحاصرتهم لتأتي انتفاضة درسيم، دامت أكثر من عام، حيث استعمل فيها من طرف الجيش التركي الطائرات لإبادة سبعين ألف كردي، يموت أتاتورك ثم تأتي انقلابات في تركيا يقابلها هدوء للأكراد قبل العودة للمواجهة مع استمرار قمعهم، ليأتي عبدالله جلان بثورة نضالية ذات بعد سياسي بحزب العمال الكردستاني مع حركة مسلحة لينتعش الحلم بدماء من جديد لأجل القضية، إلى أن اعتقل عبدالله جلان بتهمة الخيانة العظمى، ليدخل الحزب التفاوض مع جيش تركي ليقلل مطالبه من الاستقلال إلى الحكم الذاتي والسماح بدخول العمل السياسي بتمثيل برلماني، إلى أن قدوم البراغماتي أردوغان للحكم الذي كان أشد فتكًا على الأكراد من أتاتورك ليردع أحلام الأكراد بضربة غير متوقعة بهجوم على الأكراد خارجيًّا، ومحاصرتهم بسوريا والعراق ليشهد أكراد تركيا محاولة للإبادة العرقية بعدة قيادات أشدها تطرفًا البراغماتي أردوغان لدرجة أنه تاجر بالبشر أقصد اللاجئين على حدوده للضغط على دول أوروبا خصوصًا ألمانيا لتسليم معارضين أكراد.

الأكراد في المنطقة العربية حيث في العراق نجد محاولة صدام حسين في طمس الهوية ومحاولة إدماجها في القومية العربية العراقية، وكان ينظر إليهم على أساس عشائري لمن يوالون إيران وآخرين يعدهم حليفًا له يمكن التفاوض معهم مثل عشيرة البارزاني، على حساب ما قاله رجل الاستخبارات الأمريكية، جون نيكسون، أثناء لقائه بصدام وسؤاله عنهم، أكراد العراق شهدوا بحرًا من الدماء لمعارضة السلطة في بغداد من أجل الحلم، لكن صدام على أقوال فائق الشيخ أن صدام اشترى بعض شيوخ القبائل لنصرته على أساس اختلافاتهم مع البارزاني وطالباني، ثم نشهد انتفاضتهم الثانية بدعم الشاه الإيراني بعد صراع مع حزب البعث، ثم يأتي الاتفاق بينهما بقيادة جزائرية، ثم يدخل صدام انتقامًا بإبادة القرى الكردية تحت اسم الأنفال طبقت فيه سياسة الأرض المحروقة جربوا فيها كل الأسلحة المحرمة دوليًّا، مع هذا مازلنا نشهد تمجيدًا لصدام، لكن الحقيقية طُمست في وجه الوعي العالم العربي إلى الآن ما حدث متناظرًا مع العرب أجمع من أشباه صدام وحافظ الأسد لهؤلاء الكرد قوة كامنة شحنت على أساس قومي تاريخي حضاري لقيادة ثورتهم بالدماء لأجل القضية مهما كلف الثمن إلى الآن انتهاكات حقوق الإنسان بكل مفاهيمها تجسدت عليهم بمختلف الأبعاد الجغرافية المنتمين إليها.

العرب والأكراد وجهان لعملة واحدة يجمعهم الدين والقمع من حكامهم لكن الأكراد ما زالوا ينتفضون كل منهم على أبعاده التراكمية أي التشتت الكردي يمنع أي وصول للتقدم في القضية، كالعرب مشتتين تحت راية حلم ثورة الحرية والاستقلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد