لم يخطأ أردوغان حين كتب وثيقة سلام مع الأكراد في عام 2013، بعد أكثر من 85 عامًا من التمرد بحضور البرزاني في عاصمة الكرد الروحية ديار بكر، ما أراده الرئيس أردوغان، وهو يعلم أن اكثر من نصف أكراد تركيا لا تميل إلى البرزاني، وهي لا ترغب بتفاوض البرزاني عنها، ما أراده هو توسيع الشق بين أكراد العراق وإيران وسوريا، مع أكراد تركيا، وفي الوقت نفسه إضعاف شعبية البرزاني في العراق، الذي استمدها من والده ملا مصطفى البرزاني، وحلم دولة كردستان الذي يتبدد على يد الابن مسعود البرزاني، ونجح بذلك، والمعطيات في ذلك الوقت تقول بأن الاثنين تصرفا كحكماء اتفقا على خدمة شعوبهما، فلا وجود للوطن إلا على الخارطة إن لم يكن هنالك استقرار وتنمية وإعمار، وعندما ينعم الشعبان بسلام، فهذا قمة النصر للاثنين.

رغم أنه ليس من حقنا أن نخوض في مسألة حق تقرير المصير للشعوب، ولكننا نقف ضد أن يقرر حكامنا مصير الشعوب بناء على مصالح أسيادهم، المعطيات اليوم تقول إن البرزاني فشل في نظر أمريكا وإسرائيل في مشروعهما الذي يعده الكرد حق تقرير للمصير، وبالنسبة لهم هو أزمة إقليمية لكل من تركيا وإيران، فكان المطلوب من مسعود أن يزحف باتجاه الأكراد في تركيا وإيران، لا أن يزحف باتجاه العرب والتركمان في العراق، ورغم الرفض الدولي والإقليمي للاستفتاء، فإنه كان من الضروري أن ينهي رئاسته للإقليم بموقف يحسب له فيما بعد تجاه شعبه.

هنا توافقت مصالح العبادي رئيس وزراء العراق مع مصالح إيران وتركيا في العراق، بإبعاد الكرد عن مناطق العرب والتركمان، وإلى الأمام توافق مصالح أمريكا وإسرائيل بإسقاط البرزاني، وأعلن استقالته وهو بعمر 71 عامًا وإبداله بشخصيات شابة أكثر حماسة لهذا الحلم، هو نجرفان برزاني ويشاركه في إدارة الإقليم قوباد الطلباني نجل جلال الطلباني الأكثر ولاء لهم، والأكثر تعصبًا لهذا الحلم، ناهيك عن علاقته الجيدة بالـ«بي كي كي» التركي وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا.

منع الاستفتاء اليوم لن يمنعه مستقبلًا، حين تتفق مصلحة إيران وإسرائيل، تركيا ستكون الضحية، لذلك لا بد من بقاء التحالف بين أربيل وأنقرة مستمرًا، وها هي اليوم تركيا لم تفرض عقوبات على إقليم شمال العراق، وهذا الخلاف أدى إلى تعزيز العلاقات بين أنقرة وبغداد. نحن نفهم أن كل الدول لها أجنداتها في المنطقة، ولكن كيف يمكن لدولة أن تتوافق أجندتها مع أجندة دولة أخرى من أجل مصالح بلدانهم، تركيا هنا لعبت دورًا كبيرًا في تنسيق الأجندات، فلها أجندة مع السعودية، في المنطقة ككل في سوريا والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، ولها أجندة مع إيران في وأد الحلم الكردي، ولها أجندة مع الكرد في وقف التمدد الإيراني بشكل مباشر وغير مباشر عن طرق ميليشياتها، ولها أجندتها مع بغداد والعمق التاريخي والقاعدة الشعبية التي كسبتها مع العراقيين والعرب بشكل عام، التي ستجعل منها اللاعب الأول في العراق، وليس كما يظن بعضهم أن إيران هي اللاعب الأول بعد أن عمقت الأخيرة الشق بينها وبين العرب شيعتهم قبل سنتهم.

نجحت المخططات الدولية في إنهاك الأكراد، وإضعافهم، والسيطرة عليهم من خلال النخبة التي صُنعت لتختطف القضية الكردية من واقعها الإسلامي إلى ما وصلنا إليه الآن من تحالف قيادات الكرد مع الحلف الأمريكي الإسرائيلي، بينما الغرب كان وما زال أول من يتلاعب بهذا القضية وينصر الحكومات على الكرد ويضربهم بالطائرات، وتستغلهم الآن قواتٍ برية، وكأنهم مرتزقة تقوم بالحرب بالوكالة ووقودًا لمعاركها الحالية بالمنطقة، وعدهم الإنجليز والفرنسيون وأخلفوا في كل مرة، خذلوهم في دولة مهاباد في إيران، وخذلوهم في العراق، وخذلوهم في تركيا وسوريا، ولم يكن لهم انتصارات سوى انتصارهم للإسلام على يد قادة ارتجاليين ثاروا من أجل الشريعة ومظلومية الكرد، وهذه الحركات قادها رجال دين وأصحاب طرق الصوفية السمحاء من الكرد، أمثال حركة الملا سليم «1913»، وحركة الشيخ عبد السلام البارزاني «1908- 1914»، وحركة الشيخ سعيد بيران «1925»، وحركة الملا خليل المنكوري -رحمهم الله- جميعًا.

لم تظهر المشكلة الكردية والنزعة القومية والرغبة في الانفصال إلا بعد الاحتلال البريطاني في بدايات القرن العشرين، حين أحيا الإنجليز التعصب العرقي، كما فعلوا في كل الأراضي التي احتلوها، فلم تكن هناك مشكلة كردية حتى نهاية الحكم العثماني، ولم يشهد التاريخ أي نزاع بين الكرد والخلافة، بل كان الأكراد جزءًا أصيلًا من الدولة الإسلامية، وكانوا جنودها الذين يدافعون عنها، وظهر منهم زعماء قادوا حركة الأمة وصراعاتها عبر تاريخها في مواجهة المستعمرين. ومن أبلغ الأدلة على التماسك الإسلامي الذي ذابت فيه الأعراق والقوميات أن مؤسس الحركة الإسلامية التركية بعد هدم الخلافة: هو الشيخ سعيد النورسي وهو رجل دين كردي، التف حوله الأتراك للحفاظ على دينهم أمام حملة التغريب التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك، وكانت رسائل النور التي يكتبها النورسي داخل السجن، وتُهرب يتلقفها الأتراك ويقومون بإعادة نسخها يدويًّا، ونشرها في كل أنحاء تركيا وما زال مريدوه من الأتراك والكرد في كل أنحاء تركيا، ويشكلون جزءًا كبيرًا من رجال الدولة.

مشكلة الكرد ليست مع العرب ولا مع الأتراك، كما عمل المستعمرون على تكييفها وتوصيفها، وإنما مع الحكومات المستبدة التي جاء بها الاستعمار ليحكم بها حكمًا مباشرًا وغير مباشر، فليعِ الشعب الكردي أن حلمهم لا يصح إلا بانتمائهم إلى وطن ليس على الخارطة، بل أن يكون مستقرًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وذا هوية مدنية إسلامية، وعندما ينعم الشعب بسلام فهذا هو النصر الحقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد