الكردي والحظ العاثر

يشبه البعض الكردي بلاعب يقف أمام عجلة الحظ لكن الخيارات كلها سيئة بالنسبة إليه، وعليه أن يختار الأقل سوءًا وهو ما يمكن أن يكون أكثر سوءًا بالنسبة إلى كردي آخر، أو إلى شريك آخر (عربي أو تركي أو فارسي)، وهذا ما يجعل المشهد الكردي عبارة عن تراجيديا مفتوحة على تاريخ طويل من الوقائع والمواجهات، وأنطولوجيا شديدة الوطأة وعابرة للزمان والمكان، ويضاف إلى ذلك «دورة سيزيفية تجسد معاناة مديدة من أجل تحقيق كينونة وهوية معترف بهما. وهذا كفيل بأن يجعل علم السياسة الكردي أشبه بعلم يتقصى تراجيديا ثقيلة الوطأة مفتوحة على تتابع لا ينقضي من الأزمات والمواجهات».

عفرين وبداية اللعنة

لا شك أن ما حصل في عفرين من سقوط المدينة بيد الترك والفصائل المدعومة، والتي أظهرت همجية فقات الخيال أثناء وقوع المدينة في الأسر تحت أيديهم ليس حادثًا عابرًا. إن تداعيات وتجليات قادمة سوف تتعدى سقوط المدينة ذات الغالبية الكردية، لما لها من خصوصية كبيرة ودلالة في الوجدان الكردي السوري.

الواقع السياسي السوري العربي الكردي وصناعة شهود الزور

يتطلب البحث في واقع الراهن السياسي السوري البعد عن الصورة الإعلامية التي تزيف الحقيقة، وكذلك تجاوز صناع شهادة الزور سواء في مجال اللغة والثقافة والهوية والسياسة، إنهم يتلاعبون بالشعوب العربية والكردية دون حرمة ولا رحمة، ويتضافر على ذلك قوى متناوبة تنتمي إلى العقل القابيلي.

يشير د. علي شريعتي إلى أن هناك أكثرية جماهيرية اسمها «الناس»؛ وهناك قطب ضد هؤلاء الناس، هو القطب القابيلي الذي له ثلاثة وجوه: وجه اقتصادي، ووجه سياسي، ووجه ديني، المال والقوة والدّين.

ثلاثة مظاهر موجودة في القرآن وتتكرّر دائمًا، وهي موجودة في التوراة أيضًا: أحدها فرعون باعتباره نموذج السلطة، والثاني قارون باعتباره نموذج الثروة ورأس المال الاقتصادي، والثالث بلعم بن باعورا، الروحاني الذي بيده الدين، هؤلاء الثلاثة هم نماذج الطبقة القابيلية. علي شريعتي، الإنسان والإسلام، ص: 62– 63.

التزييف العربي تجاه الكرد

لقد استخدمت في معركة عفرين العقلية القابيلية من فرعونية متسيدة، وسخاء في دعم المقاتلين، وتبريرات دينية لعل أشهرها الورطة التي أقحم المجلس السوري الإسلامي نفسه فيها، والتي أجازت قتال قسد، وهي فتوى تحول الدين إلى منصة بيد الحكام والألاعيب السياسية، وتجعل من الدين سكينًا وليس منبر إصلاح وتوفيق، وعيدان حريق لا سيارت إسعاف وتوافق.

لقد تولى المجلس الأوروبي الكردي الرد على تلك الفتوى الدموية وبيان تهافتها، وأنها سياسية وباطلة المضمون أو المقصد الشرعي.

كل الوسائل الشرعية وغير الشرعية لمقاتلة الأحزاب الكردية تم تفعليها؛ بل واستثمر التوظيف الإعلامي التركي في بيان كفر وإلحاد حزب الاتحاد الديمقراطي، والذي تعده تركيا فرعًا عن حزب العمال الكردستاني الموصوف بالإرهاب، وجر هذا التوصيف إلى الداخل السوري عنوة، وتم استنباته في العقل الباطن السوري بحيث تم ربط الكفر والإلحاد والانفصال بحزب الاتحاد الديمقراطي دون تريث، ولا تفقد لصحة تلك الشائعات التي تم نقلها إلى الداخل السوري، ولم يتساءل أي سوري هل حقًّا نحن نتحدث عن حزب نعرفه أم عن معلومة نجبر على ترددها دون أن نخبر حقيقتها.

لست بصدد الدفاع عن أي حزب؛ بل أدافع عن الوعي السوري بكل مكوناته، ومحاولة تبيان جناية الإعلام على السوريين.

الوهم الكردي

لا شك أن أحوالًا متعددة في الصورة التاريخية والإشكالات التي مرت بالكرد إلى ما هم عليه الآن، ولكن للأسف لم يتح للكردي أن يفكر بعيدًا عن عقلية المظلومية، وكذلك عن مقابلة حاضره بأدوات منطقية لا بخطابات وتحركات سياسية تفتقر إلى الدقة وحساب المآلات، وللأسف إن غالب الكرد يقومون بإسقاطات من الواقع الراهن على الماضي، أو القول بـ«نظرية المؤامرة» وإن الكرد تعرضوا لـ«غزو» ثقافي ولغوي وديني، مثلما تعرضوا لأنواع الغزو الأخرى، وأنهم ضحايا أشكال من «التواطؤ التاريخي» ضدهم. هذه مقولات إسقاطية لا تنطوي على كثير من المدارك والمعارف بالحركة التي حكمت الوجود التاريخي والثقافي للكرد في المنطقة، وربما في العالم، وبطبيعة البحث العلمي لا ينكر ذلك لكن لا يمكن اعتماد عقلية التشكي أداة للتشطي المجتمعي، ومناحرة العرب في الدين والتاريخ والارتباط الاجتماعي لحل الأزمات التاريخية.

المطلوب اليوم تجاوز النمطيات والتصورات المسبقة والخلل والأدلجة الفجة في فهم المسألة الكردية.

الدين الخادم

لا يلغي الإسلام أي قومية؛ بل يحارب التعصب سواء أكان دينيًّا أو عرقيًّا، فالإسلام دين القيم لا إلغاء القوميات، ولا يتحدث القرآن عن لغات، وإنما عن شعوب وقبائل وأقوام، باستثناء ما في القرآن عن لغة القرآن نفسه «إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا» وكان ذلك لخلع القداسة على اللغة العربية، حتى لو كانت القداسة –من منظور- هي للقرآن بوصفه كلام الله وليس للغته. إن ارتباط الدين (أو الديني والميثولوجي) بالبناء الرمزي والعصبية الإثنية، هو مما يعرفه الناس اليوم وهو السجال بين العربي والكردي. ومما ينتشر على نطاق واسع، ولا تتحرج الأيديولوجيا من الاشتغال وتسويق إثنو– لغوي باسم الدين، والأمر يتجاوز ما ذكرناه عن القرآن.

لم يرد في القرآن ما يشترط تعلم اللغة العربية إلى جانب قواعد الإسلام المعروفة، وعلى الرغم من الحديث عن أن لغة آدم هي العربية مكذوب على رسول الله، إلا أن المذاهب الإثنية المعروفة تعدها (العربية) شرطًا دينيًّا مباشرًا، وطالها شيء من القداسة التي أسبغت بدورها على الألفبائية العربية، حتى أمست تُستخدم دلالة للإسلام.

لقد عاكست الظروف العربي والكردي وعوضًا عن أن يكونا ضحايا الحرية التي ينشدانها كانا ضحية مخطط الاستبداد الذي جعلهما سكاكين ضد بعضهما، وجردهما من الشعور بالانتساب إلى قضية واحدة.

لقد نحرت عفرين بسكاكين عربية وتركية وكردية، والكل في خانة المفعول، وما بني على المفعولية كان مستقلبه مبينًا للمجهول، لا يعرف الكرد والعرب في سوريا لغة الإنصاف على الأعم، ولا لغة مشتركة ولا مفهومًا واحدًا فسر البعض بأن التحالف مع التركي حليف الروسي جائز عليهم بينما حرام على غيرهم أن يتحالف مع الأمريكي، وظن الكرد أن تحالفاتهم مع الأمريكي ستمنحهم قوة حماية وتحقيق لسيادة بعد ضياع طال، لكن جاءت المصالح الروسية لتحبط ذلك الظن، وشرعن الكثير من السوريين العرب أن يتهموا الكردي بالانفصال لكنهم لم يستفسروا هل التحالف مع التركي يمكن أن يحقق وحدة والتركي هو الذي سلخ منهم لواء إسكندرون؟ وهكذا وقع الوعي السوري العربي الكردي في مأزق واحد هو السطحية والتباعد، والكل ومن حيث لا يشعر يعيد الاعتبار للقاتل بشار.

لقد ذبحت عفرين بدين الجهل ولم تتحرر بوعي السوريين عربًا وكردًا، ولم يتعلم السوري أن قاعدة حفظها في دراسته فرق تسد سياسة استعمارية، لكنه يبدو أنه يعشقها بحب ويطبقها بحذافيرها.

الدين الذي سوق على أنه يخدم أهواء الحكام لم يكن حاضرًا، والكردي الذي يسأل: لماذا يتم التضحية بنا باسم الدين؟ لم لا يسأل نفسه هل عفرين ضحية الدين أم الدين والإنسان وعفرين ضحية الطغيان والجهل والاستكبار المذهبي والفكري والقومي والسياسي؟

الجهل العربي والكردي

إن غنى المجتمع لا يُقاس بما يملكه من أشياء بل يُقاس بما يملكه من أفكار؛ لأن التفاعل الحضاري كما يذكر مالك بن نبي إنما يتم بالتفاعل بين ثلاثة عوالم: عالم الأشياء، وعالم الأفكار، وعالم الأشخاص.

لقد استشهد مالك بالحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار هائل لألمانيا، وكذلك لروسيا، فعالم الأشياء تمّ تدميره تدميرًا شبه كليّ، ومع ذلك استعادت ألمانيا عافيتها الاقتصادية في مدّة وجيزة من خلال الخطة الخمسية للدكتور شاخت، وذلك بسبب شبكة عالم الأفكار الحيّة في عالم الأشخاص لأمة تبغي الحياة.

وبالمقابل لم تنجح خطة شاخت الاقتصادية في أكبر بلد مسلم وهو إندونيسيا؛ بسبب عدم توافر شبكة الأفكار اللازمة؛ أي عالم الأفكار في بنية عالم الأشخاص لذلك المجتمع المسلم.

سيظل العرب والكرد والترك والإيرانيون في خانة التدمير الذاتي ما لم يفهموا أن سنة التعارف هي الأساس، وأن لكل شعب حقوقه، وأن الجهل يتغذى بالجهل، والدم يكبر بالدم، وأن الحلول الدائمة بالعقل لا بالعضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد