أثبتت مسيرات العودة الكبرى التي تنطلق بالتزامن مع الذكرى السنوية للنكبة، أن خطى الشارع الفلسطيني عامة، والشباب خاصة، تفوق خطى الكيانات السياسية والدعوية في الداخل. فالحراك الفلسطيني الشاب الذي تجلى في جمعة الكوشوك يحتم – ليس على كل ما هو فلسطيني فحسب- بل كذلك على كل ما هو عربي أن يؤمن بإمكاناته وقدراته على التأثير والفاعلية، مهما كانت جسارة السدود والأغلال التي تعرقل الدفاع والحمى عن إرثنا وأرضنا ومعتقداتنا.

فعاليات انطوت على رسالة ذات عمق في معانيها، قوية المضمون، تحمل رفضًا واستنكارًا ضمنيًّا لكل الإرهاصات التي تشير إلى وأد القضية الفلسطينية من أطراف إقليمية ودولية. فقد أحيت تلك المسيرات في نفوسنا الأمل في أن ثمة أمة ما زالت تنزف لكن لم تلق حتفها بعد، وأن بإمكاننا وإرادتنا أن نضمد تلك الجراح التي تمخضت عن الإمعان في إثخانها الطعنات الواحدة تلو الأخرى من بعض الأفاعي المنتسبين لها على نحو جائر، الذين إذا تكلموا كان كلامهم كالفحيح.

لقد كانت القوة المتعسفة والإجرامية التي عكفت على ممارستها الكراديس الصهيونية المتمركزة عند السياج الحدودي في مواجهة مسيرات العودة السلمية التي انطلقت في باكورة فعالياتها في الجمعة الأخيرة من مارس/ آذار المنصرم، والتي سقط إثرها شهداء ومصابون في صفوف المحتشدين، جراء استهداف القناصة الإسرائيلية للمشاركين، بمثابة دافع وجودي تمثل في أن ثمة حاجة ضرورية تفرضها علينا المرحلة الراهنة، في التأمل والبحث عن أفكار مبتكرة غير تقليدية «خارج الصندوق» تحصن الحشود من النيران التي تخرج من فوهة القناصة الإسرائيلية التي تضرب دون أي غضاضة، وتصوب مباشرة في سويداء القلب.

فقد ورد في الأثر «أن الحاجة أم الاختراع»؛ فقد توصل الشباب الفلسطيني إلى آلية بدائية التقنية، لكنها ذات أثر عظيم ميدانيًّا في مناوئة آلة القتل الإسرائيلية المسعورة التي لا تعطب ولا تجف منابع تزويدها بالوقود العربي. فقد جمع الشباب الضالعون في تلك المسيرات الآلاف من الكوتشوك الكائن في قطاع غزة وغيرها من المناطق المتاخمة له، حتى يضحوا على أهبة جمعة الكوشوك ويتلافوا الوقوع فريسة سهلة للإجرام الصهيوني، ولأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، جعل الشباب من خلف السياج الفاصل سدًّا من الغبار، ومن بين أيدي زبانية بنيامين نتنياهو سدًّا ساترًا من الغبار حجب الرؤية، وجعل حكومة حزب الليكود الإسرائيلية مطوقة في خانة اليك، ومكبلة لا تدري ماذا تفعل؛ إذ إن حدة الغبار الناجم عن الإطارات المشتعلة قد اتسع مداها ليمتد إلى داخل الأراضي المحتلة، وهو ما دفع بفيالق المستعمر التاريخي إلى أن يزج بمروحيات ومضخات مياه ثقيلة للتخفف من حدة الغبار الكثيف الذي قد غلف أجواء أحفاد هرتزل بالسواد الداكن.

القول الفصل هنا، وما وقفت عليه بالملاحظة، أن الشباب الفلسطيني قد سطر في تلك الجمعة ملحمة وطنية قائمة على الإبداع في تطويع العقل في خدمة السلمية المبدعة لا الخانعة، التي تذعن للظروف، عاهدة لها بأنها التعليل والتفسير على العجز عن التعاطي مع ضبابية واقعنا، ونكساتنا المتواصلة طيلة سبعة عقود.

غني عن البيان البسالة والفدائية الكبيرة التي يظهرها كل القابعين على الأراضي الفلسطينية من المجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته، الذي يرسم لوحة فنية من الكفاح والنضال المرتكز على عقيدة سليمة وإيمان راسخ بحب الوطن، لكن اللافت حقًّا هو ذلك الوعي الفياض الذي تفتق لدى هذا الجيل الصاعد، وإيمانه الذي لا يخامره أدنى ريب بعدالة قضيته، وصواب حجته، وحقه الأزلي في تقرير مصيره. هذا الجيل الذي يحدونا الأمل في مستقبلنا بأنه حتمًّا سيكون مشرقًّا ناصعًّا بفضل هؤلاء الشباب الذين قالوا لا في وجه متواطئين من الكائنات الحفرية قد عفا عليها الزمن، يتصدرون المشهد ولا يتورعون عن قول نعم للخيانة، نعم للتفريط في قداسة التراب العربي، نعم لبيع تراثنا العربي في سبيل شيكل صهيوني، إلا أن تلك الأساطين من الشباب الذي نشأ على العزة، ورفض الضيم، واللافظ للخنوع بكل أنماطه هو بالضرورة جيل مستعصٍ على أي ترويض، ومجهض لأي مؤامرات تحاك ضده في سبيل التسلط عليه؛ فقد اعلنوها عيانًا بيانًا وفي وضح النهار أنهم ماضون في مسار تحرير الأرض، وأنه لا مكان لمن يسطو على وطنهم قسرًا.

في هذا المضمار تبقى هناك نقطة جوهرية، ألا وهي أن يأخذ القائمون على تلك الفعاليات على عاتقهم مهمة أن يظل المناخ السائد بها هو المناخ السلمي، بحيث لا تنجرف إلى المحظور التي تبغي إسرائيل إدلاف المسيرات نحوه، وهو أن ينزلق الحراك إلى العنف حتى تصبح عملية قمعه وسحقه في المتناول. استطرادًا دأبت إسرائيل منذ بداية الحراك على تشويهه عبر أدواتها الإعلامية المباشرة والمقنعة من صحف وشبكات تلفاز عربية اللهجة عبرية المضمون، لا تختلف كثيرًا في محتواها عن بذور الكذب الذي ينهمك في نثرها المتحدث باسم جيش الكيان الصهيوني أفيخاي أدرعي عبر صفحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إنهم في بعض الأحيان يتجاوزون أدرعي في ألحان العداء التي يعزفونها ضد القضية الفلسطينية.

تأسيسًا على ما سبق، أري ورؤى المؤمن صادقة، أن انتهاج المنحى السلمي في مجابهة الاحتلال في تلك الفترة هو الأمثل، خاصة في ظل هذا التطويق العمدي المحكم الذي يجري فرضه دوليًّا على الشعب الفلسطيني، بل أذهب إلى ما أبعد من ذلك، بأنه ينبغي لممثلي الأمة الفلسطينية أن يستثمروا في الخيار السلمي الذي كشفت عنه تلك الفعاليات والارتكاز عليه استراتيجيًّا، فمن يدري ربما يكون هذا الخيار هو من يحلل هذا الوضع المتجمد، ويكون هذا الخيار بمثابة غيض من فيض يذيب هذا الجمود الذي كلما طال أمده يعزز من فرضيات العصف بالحلم العربي باسترداد أراضينا، أما إذا لم يأت الحراك بأكله فلم نغرق في البحر، لا بأس؛ فالخيارات مفتوحة أمامنا والمستقبل لنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد