نظر غيرُ قليلٍ من المراقبين والمحللين بتفاؤل كبير إلى رؤية الدخان الأبيض يتصاعد إبان انعقاد القمة الخليجية الثامنة والثلاثين في العاصمة الكويتية، ولكنها جاءت على غير المأمول منها؛ إذ لم تنجح في رأب الصدع الحاصل بين دول مجلس التعاون، ولا سيما أن التصريحات القطرية التي سبقت القمة كانت تدعو إلى ترك الباب مواربًا، أما أية خطوات حقيقية باتجاه إنهاء الأزمة الخليجية تُطوى معها صفحة الخلافات الخليجية.

وقد سبقت القمة مناكفات إعلامية بين قطر من جهة، والإمارات والسعودية والبحرين (دول المقاطعة) من جهة أخرى، وصلت إلى حد إنتاج أغنيات تنال من هذا البلد أو ذاك، فضلًا عن حرب التسريبات الإعلامية التي حاول كل فريق أن يستخدمها ضد الطرف الآخر، وهو ما أشاع جوًا من التخوف من ألا تُعقَد القمة في موعدها المقرر، وقد ترافق ذلك مع تسريبات صحافية تشير إلى نية الكويت عقد القمة حتى لو لم تحضر قطر، وهذا يشير إلى أن عقد القمة كان من باب ذرِّ الرماد في العيون، في تجاهل واضح لما تمثله الأزمة الخليجية من تحدٍّ كبير لمصير مجلس التعاون الخليجي، وتحديد مستقبله بوصفه مظلة تجمع دول الخليج.

وإن كانت القمم السابقة لم تنتج قرارات حاسمة وبقيت في إطارها البروتوكولي، وخصوصًا في ظل الظروف الإقليمية والتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والتي تستدعي رصف الصفوف وتوحيد الرؤى والجهود أكثر من أي وقت مضى، ولا بد من جهود حقيقة وعملية وخطوات سياسية فعالة لتنقية الأجواء؛ ذلك أن سياسات الحصار أو التضييق أو النكاية الإعلامية وكَيل الاتهامات المتبادلة لا تعود بالفائدة على أي طرف من أطراف الأزمة.

وإذا كانت جهود الكويت والجولات المكوكية للمسؤولين الكويتيين والزيارات التي قام بها أمير الكويت قد نجحت في إقناع كل من السعودية والإمارات والبحرين وقطر بالحضور إلى القمة، فإنها لم تنجح في دفعهم إلى حوار بناء وفعَّال للخروج من الأزمة، والتخلص من تبعاتها السياسية والاقتصادية على حد سواء؛ لذلك حمل البيان الذي تلاه أمير الكويت دعوة إلى إيجاد آليات لحل الخلافات بين أعضاء مجلس التعاون، في حين كان من المفترض أن تكون القمة بحد ذاتها فرصة كبيرة لتحقيق المصالحة المنشودة التي ستسهم في توحيد الرؤى والجهود لمواجهة التحديات العسكرية والسياسية التي تعصف بالمنطقة من جهة، ومواجهة التمدد الإيراني في غير دولة عربية من جهة أخرى.

ولعل اغتيال الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح من قبل «الحوثيين»، وما تبعه من حملة اعتقالات وإعادة تموضع للحوثيين تؤكدان الحاجة إلى إعادة حسابات أعضاء مجلس التعاون والاستفادة من دروس الماضي؛ ذلك أن استمرار القطيعة لن يحقق لأي طرف أهدافه، ولن يكون له أي أثر إيجابي على المدى الطويل في مجلس التعاون؛ لذا فقد جاءت قمة الكويت شكلية وإعلامية أكثر منها سياسية، كما كانت جلستها الأولى مغلقة وتم اختصار كثير من البرتوكولات المعهودة لقمم مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من التصريحات الإعلامية الإيجابية قبل القمة وخلالها، فإن ردة فعل دول مجلس التعاون لم تكن على مستوى الحدث.

وخير دليل على ذلك مستوى التمثيل المنخفض الذي نهجته كل من السعودية والإمارات والبحرين على حساب إنجاح القمة وتحقيق أهدافها، وأقصى ما استطاعت القمة أن تحققه هو حضور بطعم الغياب لأعضاء مجلس التعاون، وقد أفصح هذا السلوك الذي انتهجته دول مجلس التعاون عن غياب صوت العقل وضياع بوصلة الحل السياسي للأزمة المستعصية، والتي أفرزت غير قليل من عوامل التصدع التي قد تصل إلى تفكك مظلة مجلس التعاون الخليجي، وتكريس حالة التمزق المستمرة منذ ما يقارب الثمانية أشهر، والتي لم تجد طريقها إلى الحل بسبب تغليب منطق التعنُّت، وعدم تقديم مصلحة الشعوب والمنطقة على المصالح الضيقة للأنظمة الحاكمة.

وإن كانت الأزمة لن تحل سريعًا أو بلمح البصر، فإنها بحاجة إلى مقدمات تظهر حسن النوايا من كل الدول، وفي مقدمة تلك الإجراءات توقف الحملات الإعلامية والحملات المضادة، وإنهاء حالة الحصار والمقاطعة، وبدء حوار جاد وفعال، بدلًا من التشرذم والانقسام، وقد كانت القمة بحد ذاتها فرصة ثمينة لطي صفحة الخلافات، وترتيب البيت الداخلي الخليجي، ولهذا يرى غير قليل من المراقبين والمحللين أن قمة الكويت عُقِدت ولم تعقد في الوقت ذاته، وأن حضور دول مجلس التعاون فيها كان بطعم الغياب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد