إبراهيم أبو محمد
إبراهيم أبو محمدالمفتي العام للقارة الأسترالية

رغم محدودية عدد السكان ووفرة الثروة النفطية لدى دولة الكويت، إلا أن عنصري التميز المذكورين هنا ليسا هما سر التألق.. سر التألق في هذا البلد – أميرًا وحكومة وشعبًا – هو أصالة أهله وحكمة حكامه وحكومتهم ومعرفتهم بقدرهم كدولة، وبأقدار الآخرين حولهم.

ففي محيطها العربي تتمتع الكويت بتقدير واحترام كل العرب. وفي محيطها الإقليمي تتمتع بعلاقات مميزة تخلو من التوترات والمهاترات والمراهقات السياسية. وفي المحيط الدولي تؤدي الكويت دورا مرموقا تتبنى فيه قضايانا القومية وتقف بقوة بجوار الحق والعدل والسلام.

منذ وجدت هذه الدولة وهي تحرص على التفاعل الخلاق مع كل جيرانها، وتقدم كل أنماط التعاون ونماذج حسن العلاقات، وتنفتح على الآخرين، وتفتح صدرها وقلبها للحوار، وتمد يدها البيضاء بالخير ممثلة في المساعدات التي تعبر البحار والقفار لتصل لكل من يستحق.

ويشهد التاريخ والواقع في الماضي والحاضر بأن دولة الكويت في الشدائد والأزمات لا تكتفي بمجرد التواجد لملء الفراغ وإثبات الوجود، وإنما تحرص على أن يكون لها الحضور المشهود والمميز برؤيته ورؤاه، فليست هناك أزمة سياسية أو إنسانية في المنطقة لم يكن للكويت وأهلها وحكومتها فضل السبق والمساهمة في حلها.

في عالم العلاقات الدولية المتشابكة هناك قيمة سيادية واحدة ووحيدة هي: المصلحة.. ومن ثم فحين تتحدث عن علاقات بين الشعوب يكون المصطلح الذي له الصدارة والأكثر شيوعًا والأعلى صوتًا في كل الاجتماعات والمباحثات، وحتى في إدارة الصراعات هو حجم الاستفادة وحجم المبيعات وحجم الغنائم، أي أن المصطلح السائد في هذه البيئة السياسية هو حجم التجارة البينية بين الدول والشعوب، بينما حين يقودك البحث في عالم العلاقات العربية العربية يكون الحديث عن حجم التوترات وربما حجم الحروب البينية، شيء عجيب هذا الأمر! أليس كذلك؟

معروف في عالم العلاقات الإنسانية أن الإخوة بعضهم من بعض، ويجب أن يكون القانون الفطري السائد بينهم أن بعضهم لبعض، ومع ذلك يمكن أن يحدث بينهم خلاف وشقاق وقد يتطور أحيانًا لصدام أو صراع، ومن هنا كانت حروب العرب البينية بعضهم مع بعض، حرب الخليج الثانية، وحرب اليمن الحالية، لكن الغريب في أزمات العرب وبين بعضهم أن العين تقاتل دوما ضد الأهداب.

مؤخرًا ومنذ ما يقرب من عام شهدت منطقة الخليج حراكًا سلبيًا بين بعض دوله، كان مليئًا ومشحونًا بالتوترات والغضب وحاولت بعض القوى أن تحوله من حراك إلى حريق وقد ساهمت بعض وسائل الإعلام فيه بإشعال كل أعواد الثقاب، بينما حاولت قوى أخرى في المنطقة وخارجها دفع الرياح ليشتعل الحريق، لكن الله سلم، وتحركت الكويت بحكمتها لا لتطييب الخواطر وتهدئة النفوس فقط، وإنما كان دورها وقدرها نزع الفتيل بسرعة تتسم بالوعي، وممزوجة بخبرة السنين، ومدعومة بجسارة واقتدار الكبار حين يصرون علي حماية النسيج الأخوي من التمزق وعودة الوشائج والأنسجة إلى مكانها، وكان دور الكويت هنا مزودًا بأعلى درجات الإدراك السياسي ومستوعبًا لطبيعة المرحلة وما فيها من مخاطر وخطورة يمكن أن تؤدي لا لتجميد مجلس التعاون وتجفيفه فقط، وإنما لانهياره وتحويله إلى أثر بعد عين، لا تتم الإحالة إليه كمرجعية لحل المشكلات والأزمات بين الأخوة، وإنما يشار إليه بضمير الغائب باعتباره ذكرى كانت هنا، وكانت لنا، يا ليتها دامت لنا، أو دام يهتف فوقها الزياني.

من تراكم خبرتها السابقة أدركت الكويت ـ- أميرًا وحكومة وشعبًا -ـ مخاطر الإقدام على مغامرات غير مأمونة العواقب يقبل عليها البعض بحسابات خاطئة، فتداركت دولة الكويت هذه المغامرات صونا لعروبة المنطقة وصيانة لمجلس التعاون الخليجي الذي أقامته وسهرت عليه قيادات واعية، فتحركت – وأميرها – بحرص وبحركة واعية على رأب الصدع وجمع الشمل ولم الأخوة. وقدمت بسرعة لبنات سلام تمهد الطريق لتلاقي القلوب، وتلافي المخاطر، وكانت مبادرة أميرها أساسًا ومرجعًا لحل الأزمة على المستوى المحلى والدولي.

الكويت تمارس هذا الدور ليس فقط من باب السياسة بقدر ما هو إحياء للمروءات العربية بعدما غيبتها مظاهر المدنية الحديثة والثراء الواسع وملهيات الحياة.

في عالم تلك المروءات الغائبة دائمًا يشكل عقل الكبير وحكمته طوق النجاة لأطراف قد يدفعها الحماس الذاتي في وقت الغضب أن تفقد السيطرة على نفسها وأن يفلت منها الزمام، وقد تندفع بقوة إغراء غريب من الخارج يستفيد عادة من صناعة الصراعات وإشعال الحرائق فيدفع الأطراف لمواقف مهلكة تغيب فيها الحكمة وتسود فيها نوازع النفس بالرغبة في دهس الآخر والانتصار عليه مهما بلغت التكلفة المعنوية من تقطيع لأرحام وفصل لوشائج وتعطيل لأخوة وإماتة لنخوة.

ذاكرة الكويت – ونحمد الله على ذلك – كانت حية وواعية بتلك المخاطر وتكاليفها، كما أنها واعية أيضًا لألاعيب من يعملون على إشعال الحرائق، فأرادت أن تجنب المنطقة كلها ويلات تجربة مريرة خسر فيها العرب كل شيء، بينما استفاد آخرون بكل شيء، وتاجروا حتى بدماء أبنائنا.

مع كل أزمة تتفجر، وفي كل معضلة تنشأ تثبت الكويت بأن قوة الدولة ليست فيما تملك من ثروة، وإنما في عطائها ومروءة أهلها، وقدرة قيادتها على رأب الصدع وجمع الشمل وحماية البنيان العربي من التصدع بالطول والعرض والعمق.

ويبدو أن التركيبة البشرية والفطرة النقية والمكون المعرفي لإنسان هذا المكان جعله يمزج بين نعمة الحرية حين يتمتع بها، وبين حقوق هذه النعمة والتزامات الاستدامة في التمتع بها.

منذ عقود وهذا البلد يتمتع بحرية تمتاز وتنفرد بأنها معني لا يصلح في الحياة إلا محددًا، وبالطبع فالحدود ليست قيودًا، وإنما هي إطار يحمى من الفوضى ويضبط الإيقاع، والمساحة ليست فراغًا، وإنما هي نشاط وممارسة تثبت أن المجتمع حي، وأن أفراده أحرار، وأن سلطاته واعية ومدركة لأشواق شعبها، وهي ضامنة لأماله وحامية لكرامته ومصالحه وحاضنة لتطلعاته في العزة والتقدم والرفاهية.

تدرك الكويت – بقيادتها الرشيدة – أن الحرية قدر الشعوب الحية فلا تعاند أو تكابر، وأن تحدياتها تحتم الاستجابة، وأن ثمرتها مجتمع آمن لا يحرم فيه أحد من حقوقه، ولا يزيد فيه نصيب مؤيد على نصيب معارض، لذا كانت التجربة الكويتية داخل المنطقة العربية وفي الخليج بالذات أسبق في الزمن وأرسخ في التطبيق وأكثر أمانًا في الممارسة، الأمر الذي يساعد على الحركة ويؤدي إلى التفاعل الإيجابي، ويسقي جذور الولاء للوطن أرضًا وبشرًا وقيادة ونظامًا، ويولد لدى المواطن إحساسًا فياضًا بالحماس والعمل لوطن يحميه هذا المواطن ويحتمي فيه.

أصالة الإنسان في هذا البلد ظلت مكينة في الأعماق، ولم تمحها كثرة المال أو بريق المدنية المستحدث، بل ظلت هذه الأصالة تطفو فوق السطح – مروءة وكرمًا – كلما دعت الحاجة عند الأخوة أو ذوي القربي والجيران، كما كانت وما زالت مرآة تعكس حجم الخير في النفوس الطيبة، فلا تضن في موقف ولا تتخلف في ضرورة.

تحية للكويت – أرضًا ووطنًا وإنسانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك