علمتني تجارب الحياة أن التعلق بالمطامح والأحلام لا يعفي من ضرورة استحضار الواقعية في التعامل مع ما هو متاح. فنحن في حقيقة الأمر لا نملك التصرف سوى فيما هو بين أيدينا. ومن هذا المنطلق بدأت أحلامي بوطن عربي قوي يبني لنا كرامة حضارية ويجعل لوجودنا قيمة في العالم ويخرجنا من حقبة شبه ظلمات عشناها طويلًا منذ أن دخل هولاكو بغداد، تفقد بريقها شيئًا فشيئًا، خصوصًا في الشق السياسي الذي يجعل منطق الديمقراطية وتداول السلطة وسمو الحساب في تقييم الكفاءة أسسًا للحكم. فمشاهد لافتات المطالب تتحول أكفانًا لحامليها، ومقاطع التخوين العلنية بين جميع الأطراف، وصمت العالم عندما يتعلق الأمر بدماء الضعفاء، تجعلني أرى مشكلة القرار السياسي أكبر من حيز المكان بكثير.

رؤية الأزمة العربية من منظور دولي تحيل في نظري على إشكالية التحالفات والولاءات الدولية كجوهر لتخلف المنطقة العربية. وإذا أجلنا الإصلاح السياسي ومطالبه المشروعة وقررنا التركيز على البناء الاقتصادي والعلمي والحضاري، واستقرأنا تفاصيل التاريخ ووقائع الحاضر، يصبح الحل المطروح أمام العرب لبناء مستقبل أفضل هو التوجه نحو التحالف المتقدّم مع الصين. ولهذا فإن الخطوة الكويتية المؤسسة لتحالف اقتصادي مع الصين قد يتطوّر إلى ما هو أكبر بكثير، هي بالقطع رؤية حكيمة يفرض منطق العقل اقتداء كل العرب بها.

عوامل كثيرة تجعل الصين أحسن حليف يمكن أن يتخذه العرب جيوسياسيًّا واقتصاديًّا إن حضرت نية التقدم في إرادتهم السياسية. أولها أن الصين وفق كل المؤشرات تتجه بثبات نحو تصدر الاقتصاد العالمي في غضون سنوات، وما الصراعات العسكرية التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية صناعتها في العلم إلا محاولة لتأخير هذا المصير الحتمي. وتمامًا كما هي الأسواق العربية مهمة للصين، فالمنتجات الصينية تبقى الأنسب لمجتمعات عربية كثيرة تغزوها الهشاشة الاجتماعية، ويمكن اعتبار وفرتها حلًا يضمن الاستقرار الاجتماعي العربي رغم القيود المفروضة عليها خصوصًا في صناعات أساسية مثل البناء والطاقة.

سياسيًّا، التحالف العربي الصيني يمكن أن يبنى على التشابه في صيغة الحكم التي تختلف تمامًا عن شكل ممارسة السلطة في الغرب. ويمكنه أن يرتكز على الماضي المشترك في تلاقي الحضارات المشرقية وتعايشها، وخصوصًا على ماضٍ قريب لم يشهد تدخل الصين في الشأن السياسي العربي، وعلى براءاتها التامة من بناء الصراعات العربية أو تغذية الاشتباكات السياسية أو محاولة فرض إرادة أيديولوجية على الغير.

العامل الثقافي يجعل الصين أفضل حليف ممكن للعرب بالنظر للتقارب الثقافي الذي تعكسه قيم المجتمع المشتركة. كما تعززه قدرة الصين على التعامل مع مختلف الديانات وعلى اعتبار أهمية المكون الإسلامي في الهوية الصينية. كما لا يمكن إغفال البعد اللغوي الذي لا يحمل وضعًا تفضيليًّا لأي من الطرفين.

أما المؤمنون بأن القوة العسكرية هي أول ركائز الأحلاف الاستراتيجية، فيكفي تأمل حجم الجيش الصيني من حيث العدد، وتطور ميزانيته في السنوات الأخيرة لندرك أن الطموح الصيني في هذا المضمار واقعي وكبير. وما تحوّل الصّين لثالث مصدر للسلاح في العالم إلا انعكاس لهذا الطموح، الذي يُظهر مع برامج غزو الفضاء الطموحة، والتركيز على البحث العلمي أن الصين لن تكتفي أبدًا بتصدر الاقتصاد بل ستجعل ذلك مدخلًا لتصدر العالم على كل المستويات.

من المشاكل العربية الحقيقية فيما يتعلق بالحكامة السياسية عدم القدرة على استشراف المستقبل من خلال قراءة للمؤشرات الجيوسياسية والاكتفاء بالتركيز في الصورة الآنية التي تخفي نوايا فاعليها الحقيقية. النظر للصين بكل معقولية يقتضي مد اليد إليها بشكل عاجل، والمبادرة هنا لا بد أن تكون عربية، فقد أثبت التاريخ أن الغرب لم يحمل حضنه من الخير لأهل المشرق ما يمكن أن يجدوه في شرقهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد