عزيزي القارئ..

دعني في البداية أتمنى لك عامًا طيبًا بعد العام المنقضي الذي كان حافلاً بالأحداث الكبرى.

من المتعارف عليه نهاية كل عام هو قيام الصحف والمواقع الإخبارية والفضائيات باستعراض أهم الأحداث التي وقعت خلال العام، وهو ما سوف أقوم به أيضًا في هذا المقال، وإذا تساءلت عن الجديد الذي سوف أقدمه لك، سأطالبك بالانتظار وتأجيل الإجابة حتى آخر المقال.

خلال عام 2014، توفي ثلاثة زعماء عرب، وتولى “محمد علي” منصب رئيس الوزراء في العراق خلفًا للمالكي. واستقرت البلاد بدون حدوث أي تفجيرات أو معارك مع تولي رئيس الوزراء الجديد رغم عداوته الشديدة للولايات المتحدة. وشهدت تركيا ثورات كبيرة أطاحت بحكم رجب طيب أردوغان، بعدما شهدت العديد من الكوارث التاريخية أعقبتها أزمة اقتصادية طاحنة انتهت بتدخل الجيش التركي.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تعرضت لضربة صاروخية أعادت إلى الأذهان ما حدث في 11 سبتمبر عام 2001، وهي الضربة التي تسببت في انهيار اقتصاي شامل، وعدم إكمال أوباما لولايته، ومطالبة إحدى الولايات فيها بالانفصال، ولم ينته العام حتى اختفت ثلاثة أرباع البلاد بكاملها نتيجة اندلاع مجموعة من الزلازل والأعاصير والبراكين. لتنهار القوى العظمى في العالم، وتبزغ قوى عظمى أخرى. وينقسم ما تبقى من الولايات المتحدة إلى دولتين، وعدد من الدويلات الصغيرة.

في سوريا، انتهت الحرب فيها نهاية دراماتيكية، بعدما أعلن بشار الأسد في خطاب اهتز له العالم تخليه عن السلطة لواحد من المقربين إليه، منهيًا بذلك أكثر من 3 أعوام من العنف والمعارك والمذابح.
لكن رغم انتهاء الأزمة في سوريا، فإنها قد انتقلت إلى لبنان وتركيا والأردن والسعودية والكويت والبحرين والولايات المتحدة. وسقط حزب الله في لبنان وانتهى أمره.

عام 2014 شهد أيضًا نجاح دولة قطر في احتلال البحرين، ليعيش أهل الأخيرة في سعادة ورخاء وحرية تحت الحكم القطري الجديد، لتقود قطر العالم العربي بدلاً من المملكة العربية السعودية، لكن مع ذلك، لم يكمل الأمير تميم فترة حكمه بعد اندلاع مظاهرات كبيرة ضده.

نجاح قطر في احتلال البحرين أعقبه نجاح مماثل للعراق في احتلال الكويت مرة أخرى، بعد أكثر من عقدين على الاحتلال الأول، معلنة بسط السيادة العراقية عليها، وإعلانها المحافظة التاسعة عشر.

أما مصر، فلم تشهد انتخاب رئيس جديد في ذلك العام، بعدما اكتفى عبد الفتاح السيسي بمنصب وزير الدفاع، رافضًا ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية، حتى يتفرغ لقيادة الجيش والحفاظ على أمن البلاد، ويتوقع المحللون استمرار هذه الحالة حتى الاتفاق بين الأطراف السياسية في مصر على الرئيس.

أما بخصوص جماعة الإخوان المسلمين، فقد انتهى أمر الرئيس المعزول محمد مرسي، بعدما وجدوه مقتولاً داخل السجن، واندلعت سلسلة من الفضائح الخاصة بجماعة الإخوان كشفتها زوجة أحد القيادات، وأدت إلى انهيار تدريجي للتنظيم. وشهدت البلاد موجة اغتيالات طالت شخصيات عسكرية وسياسية.

فيما عاد البرادعي إلى مصر من جديد بعد مغادرته لها عقب تقديم استقالته احتجاجًا على فض ميداني رابعة والنهضة، واستمر في خدمة البلاد مؤديًّا دورًا هامًا في الحكم الجديد. قبل افتضاح أمره وكشف صلته بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين. وأصدر القضاء المصري حكمًا صارمًا على الرئيس المخلوع حسني مبارك في القضايا التي يحاكم فيها. وتحسنت حالة الجنيه المصري واستعاد قوته وتوازنه مرة أخرى. وحسم الجيش معركته ضد الإرهاب في سيناء، محققًا انتصارًا ساحقًا. وعادت الاستثمارات إلى التدفق من جديد.

لكن ليبيا شهدت انتكاسة كبرى تمثلت في انتصار أنصار القذافي علي الثوار، ووقف سيف الإسلام القذافي ليعلن انتصاره على الهواء، ليرفرف العلم الأخضر من جديد في سماء البلاد. وجف النهر الصناعي العظيم بعد انحسار المياه عنه.

وأخيرًا ظهر المهدي المنتظر ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملأت جورًا.

كما رأيت عزيزي القارئ، فقد قدمت لك مجموعة من الأحداث العظمى التي لم تقرأها في أي من ملخصات وسائل الإعلام لعام 2014، وهذا هو الجديد الذي يحمله هذا المقال. فالأحداث السابقة منقولة بالنص من “تنبؤات” لمجموعة كبيرة ممن يطلق عليهم “علماء الفلك والمنجمين”، باعتبارها أحداثًا سيشهدها عام 2014.

الغريب أن فشل هؤلاء النصابين المريع في توقع الأحداث أو التنبؤ بها لا يؤثر على الإطلاق في معدل استضافتهم وإجراء الحوارات والمقابلات معهم من الصحف والمواقع الإخبارية والفضائيات كل عام.

وما زال لدى أكثرهم البجاحة والصفاقة للظهور مرة أخرى ليتحدث عن نبوءاته للعام الجديد، وتكرار نفس الهراء، معتمدًا على ضعف ذاكرة المشاهد وجاذبية مثل هذه الموضوعات الفارغة.

لم يتنبأ أحد من هؤلاء النصابين بأحداث حقيقية كبرى حدثت فعلاً، مثل احتلال داعش للموصل، أو إعلانها الخلافة، أو حرب غزة الأخيرة، أو انهيار العملة الروسية، أو احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، وغيرها من الأحداث.

هذا عن التنبؤات المحددة، إلا أن هناك طائفة من هؤلاء النصابين أذكى من غيرهم، إذ يميلون دائمًا إلى الحديث بصيغة شديدة العمومية، بحيث لا يستطيع أحد الإمساك بأحداث معينة يمكن من خلالها قياس مدى صحة حديثهم من عدمه.

واحدة من هؤلاء على سبيل المثال قالت إن عام 2014 سيشهد بداية من يوم 20 يناير وحتى مارس ما وصفتها بـ “فترة دقيقة”، تحتمل أنواعًا من الصراعات والنزاعات في مصر وسوريا ولبنان.

يا سلام! ما هذا الذكاء الخارق والقدرات الخزعبلية التي تتمتع بها هذه السيدة، وكأننا لا نرى بأنفسنا على شاشات التلفزيون أخبار الاشتباكات والمعارك في هذه المناطق كل يوم، والتي لا يبدو على الإطلاق أنها ستنتهي في المستقبل القريب. هل نحتاج إلى مثل هؤلاء ليخبرونا عما نعرفه فعلاً؟ لكن كما قلت فإن هذا النوع من الحديث شديد العمومية يسهل التهرب منه بسهولة لأن سوريا تشهد عشرات المعارك والتفجيرات والمذابح يوميًّا في أي وقت على مدار العام.

أعرف أن كلامًا كهذا قد يكون مكررًا ومعروفًا وأشبه بالبديهيات لدى كثيرين، لكن للأسف وجدت نفسي أضطر لكتابته بعدما وجدت اهتمامًا كبيرًا معتادًا في مثل هذا الوقت من كل عام بحديث هؤلاء “الكفتجية”.

والذي يجذب العديد من الأشخاص المؤمنين فعلاً بأن هذا الحديث هراء، لكنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من مشاهدته لعل وعسى يطمئنون على المستقبل، ولو كان بهذه الوسيلة.

وأخيرًا، فإن هذا المقال يتحدث عن عام واحد فقط وهو العام الأخير 2014، لكن إذا ما توسع البحث قليلاً وأدخلنا فيه أعوامًا سابقة سيتضح لك بجلاء شديد كيف يبيع هؤلاء الوهم ويجنون من ورائه الملايين. بوسعك أن تختار أي عام وتبحث في توقعات المنجمين حولها، وستستمتع بفاصل من الكوميديا والمساخر التي ليس لها مثيل. جرب ولن تندم.

 

https://www.youtube.com/watch?v=gReTWSoUPKc
https://www.youtube.com/watch?v=IFvS-Srd2zg



 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد