في إحدى قرى طهران بإيران عام 1037 يولد طفل لعائلة شيعية اثنا عشرية، اختير له من الأسماء: حسن بن الصبّاح؛ ليصبح بعد فترة من الزمن «شيخ الجبل».

سافر حسن بن الصبّاح بعد أن أعْجب بالشيعة الإسماعيلية لمصر، وتقابل مع الخليفة الإسماعيلي المُستنصر حاكم الدولة الأموية، وإمام الإسماعيلية، ثم رجع لبلاد فارس داعيًا الناس لاعتناق المذهب الإسماعيلي، وبينما يتوسّع ابن الصبّاح في دعوته ببلاد فارس، فإنّ مصر مركز الخلافة الأموية تهتز بنبأ وفاة الخليفة المستنصر، وانقسام الإسماعيلية إلى (نَزَاريّة – مُستعلية)، وتتبعان ابني المُستنصر اللّذين يتصارعان على الحكم، فكان ابن الصبّاح ممن يدعم نَزار بن المُستنصر على أخِيه، ويرى بوجوب إمامته، وانتشرت النَّزارية في بلاد فارس على يديْ حسن انتشارًا كبيرًا، ولا تزال موجودة إلى يوم الناس هذا باسم «الآغاخانية».

عشيّة الرابع عشر من شهر فبراير (شباط) عام 2014، أيْ بعد ثلاثةِ أعوامٍ من عام الثورة الليبية 2011، استيقظَ أهلُ ليبيا على بيان تجميد الإعلان الدستوري، الذي أعلنه الجنرال المتقاعد خليفة حفتر على شاشة قناة «العربيّة» السعوديّة، من وسط طرابلس العاصمة الليبيّة، معلنًا انقلابه على السّلطة المُتمثّلة في المؤتمر الوطني العام الذي اختاره الليبيون في انتخابات حرة في السابع من شهر يوليو (تموز) عام 2012، فيما سمّاه الليبيون لاحقًا «انقلاب قناة العربية»، وانتهي البيان بـ(لا شيء) إلا أمر قبض من وزير الدفاع يومها عبد الله الثني في حق المتقاعد حفتر.

كان الوزير السلجوقي نظام الملك رجلًا متفرّدا، وكان سياسيًّا مرمُوقًا وصاحِب كفاءة في الإدارة، واشتُهِر بحربه الفكرية على المذاهب المُنحرفة، وأسّس سِلسلة من المدارس الرّاقية التي تعرف باسم المدارس «النّظاميّة» نسبةً له، كان من أهم خريجيها الشيرازي، وأبو حامد الغزالي، وكوكبة من خيرة العلماء الذين أسّسوا لجيل صلاح الدين الأيّوبي، أعجب نظام الملك بالحسن الصبّاح وقرّبه؛ فقد رأى فيه بذرة جيدة، فقد كان الحسن من علماء الهندسة والفلك، ولكنه أخفى عن الوزير عقيدته الإسماعيلية، وتقرب منه جدًا.

حسن الصبّاح كان يعي جيّدًا أنّ دعوته لا يمكن أن تتوسّع أكثرَ من ذلك في أماكن سيطرة الدولة السلجوقية السُّنيّة التي كانت تحكم بلاد فارس، فاتّجه لنشر دعوته في القرى والبوادي بين الفلاحين وعامة الناس؛ لأن القرى أكثر أمنًا من المُدن من حيث الفِكر، فالمدن مليئةٌ بالعقول الراسخةِ التي لا تزحزحها بضع كلمات منمّقة من داعية جديدٍ صاحبِ فكرٍ منحرفٍ، بينما سَهُلَ عليه دغدغة عواطف النّاس في البوادي، كما يفعلُ الإعلامُ اليوم بتزيين الانقلابات العسكريّة، فكان أهل البوادي طائعين مطيعين لحسن ولفكره.

في بداية العام 2013 وبعد هُرُوبه بصعوبة من العاصمة طرابلس، عَلِم حفتر أن دعوتَه لن تجد صدىً دون أن يؤسّس لها بنشر الفوضى في المُدن، والتوسّع بالنفوذ في البادية والقرى، فاختار الرجمة منطقة شرق بنغازي 25 كم لتكون منطلقًا لنشر الفوضى في بنغازي.

أذن ابن الصبّاح لأتباعه ببداية العمل داخِل المدن، وكانَ أوّل هدف لهم مؤذّنُ مسجدٍ عَرضوا عليه مذهبهم فلم يقبله منهم، وجادلهم، فخافوا أن يفضحهم فقتلوه؛ لتكون أُولى عمليّاتهم في الاغتيال للتخلّص من المُخالفين لهم فكريًا.

الوزير نظام الملك يَصِلُ لمعلوماتٍ مؤكّدة أنّ قَتَلَةَ المُؤذن هم أتباع الحسن فيأمر بملاحقته، وهُنا اختار حسن أن يضرب الدولة السلجوقية القوية بضربات فعّالة، دُون الحاجة لتفوّق عددي – لا يملكه – فاتّجه للاغتيالات، ونشر الذّعرِ والرّعب في صفوف الجُنُود والقَادة، بعد أن ربّى أتباعه على الطّاعة العمياء.

تحصّن بقلعة اسْمُها قلعة «ألموت»، فأظهر ابن الصبّاح حنكته في التخفّي بزي الورع التقي الطيّب بين أهل القلعة، حتى اتّبَعَه وأُعجِب به أغلب أهل القلعة بما فيهم العلويّ صاحبُ القلعة الذي أبعد عن قلعته لاحقًا، فأصبح الحسن هو صاحب قلعة ألموت والكلمة فارسيّة تعني (عش النسر)، وهي قلعة تقع أعلى جبلٍ ارتفاعُه ألفي متر، بمدخلٍ واحدٍ ضيق جدًا.

شهر يُوليو 2013 أذِن حفتر لأتباعهِ بالبدء في الاغتيالات، فانطلقت المسدساتُ ذواتُ الكواتم حتى أنّها نطقت، فاغتِيل المُحامي والنّاشط السياسي والحقوقي عبد السلام المسماري، المُنسق العام لائتلاف ثورة 17 فبراير، ثم في يوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2013 اغتيال العقيد صالح الحضيري، أمر قوات البحرية في ثورة فبراير أيضًا، (تبين لاحقًا أنه رفض الانضمام لما سميت عملية الكرامة)، ثم بدأت حركة الحفتَريين عام 2014، وتحديدا في 25 يناير (كانون الثاني) 2014 بمحاولة اغتيال الناطق باسم الغرفة الأمنية المشتركة لحماية بنغازي العقيد عبد الله الزايدي، وهو من ثوار 17 فبراير، 15 مايو (أيار) 2014 قبل انطلاق عملية الكرامة المشؤومة بيوم، اغتِيل الشيخ منصور البرعصي، الذي كان له دور كبير في حَلحَلة العديد من القضايا التي بدأت تطفو بين العسكريين والثوار، لتصبح السّاحة جاهزةً بظن حفتر لإعلان ما سمّاها عجوز الرجمة بعملية الكرامة التي لم تجد أي صدىً لها إلا في بضعة جنود من ضواحي بنغازي هاجموها في يوم 16 مايو 2014، وفي تلك الجمعة الشهيرة استيقظ أهل بنغازي على الحرب التي لم تنته إلى يومنا هذا.

أدرك ابن الصبّاح أن عدوه الأول هو الوزير الصالح نظام الملك، وفي عام 1092 تقوم حركة الحشاشين، بقيادة الإرهابي ابن الصبّاح بقتل الوزير، في أكبر عملية اغتيال في ذلك الوقت، وفشلت الدولة السلجوقية في الاستيلاء على القلعة في عدة محاولات، وظلّت ألموت طائعة لابن الصبّاح ومركزًا لتربية القتلة المأجورين، وعشًّا للشر.

بعد وفاة الحسن استمر أتباعه في تصفية خُصُومهم الفكريين من دعاةٍ وعلماءٍ وسياسيينَ، حتّى قتلوا الرجل الصالح والقائد العظيم، مودود بن التونتكين بعد عودته من انتصارٍ على الصليبيين، يوم الجمعة في مسجد بغداد، في عمليّة اغتيالٍ قذرة، تأكّد الجميع بعدها أن الحشاشين أتباع الحسن بن الصبّاح ما هم إلا قتلة مأجورون، يسيطرون على عقول مجموعة من البُسطاء للقتل بمقابل مادي، واغتالوا بعدها الخليفة العباسيّ المسترشد، ثم تحالفوا مع الصليبيين، وبالتحديد مع الكونت ريموند لاغتيال الملك العادل نور الدين زنكي، ثم اغتالوا الكونت ريموند نفسه بالتعاون مع خصومه من الصليبيين، وحاولوا أن يغتالوا صلاح الدين الأيوبي أكثر من مرة في عمليات اغتيال قذرة لم تعتد تسْتتر وراء أي ستار إلا (الاغتيال السياسي مقابل المال).

انتهت هذه الطائفة الإرهابية على يد المغول بعد اجتياحهم للدولة السلجوقية والخلافة العباسية، وسيطرتهم على بغداد، فأبادوهم وأُحْرِقَتْ قلعتُهُم ألموت.

أدركَ حفتر أن عمليّته تحتاجُ لمزيدٍ من العمل الإعلاميّ والفوضويّ، فأصبحتِ القنواتُ المدعومة من الإمارات والسّعودية والقنوات المصريّة تركز على الشّأن الليبيّ، وتُؤيد عمليّات حفتر العسكرية الضعيفة التي لم يُقبِل الناس عليها، واحتاجوا لحدث كبير يسلّطُ عليه الضّوء، وفي 25 يونيو (حزيران) 2014، بينما يُصَوّتُ الليبيّون لاختيار البرلمان، هزّ بنغازي خبرُ أشهر قصة اغتيال تاجر بها الإعلام طويلًا، اغتيال المحامية سلوى بوقعيقيص والذي تبين لاحقًا أنّ القتلة هُم فِرقة مأجورة تابعة لحفتر، لتجهّزَ السّاحة أمامهُ، وفي يوم 15 أكتوبر 2014 وبعد تكرار فشل حفتر وجنوده في اقتحام بنغازي تحرّك المدنيّون الذين لم يكن لهم دخلٌ في القتال الدائر، واجتاح جنود حفتر مدينة بنغازي ليدخلوها في موجات من القتل الجماعي والإعْدامات الميدانيّة، فما كان يحدث في السِّر اغتيالًا أصبح يحدث علنًا، حتى قال قائلهم المطلوب للجنائية الدولية محمود الورفلي التابع لحفتر: «نعم.. كنت أقتل قبل الكرامة وبعدها بأوامر من القيادة»، ليتّضح من كان يقتل ولتدخل البلاد في فوضى عارمة تعانيها العاصمة حاليًا وهي تُدافِعُ بأبنائها لتردعَ العدوان الذي تحالف فيه حفتر مع المرتزقة الرُّوس من الفاقنر، ومُرتزقة العدل والمساواة والجنجاويد، بمال إماراتي وسعودي وتخطيط مصري، كما فعل الحشاشون بتعاونهم مع ريموند والصليبيين.

بين شخ الجبل وعجوز الرجمة، يجب أن يَعِيَ من يعملُ في مجال توعيةِ النّاس أنّ الأيّام دُولٌ وأنّها تتكرّر، وأن المآسي تبدأ عندما تُسْتَلبُ العُقول فيعبثُ بالفكر، فتصبحُ العقول مزيجًا من الانفصام عن الحياة والقَلق، فيقْتُل تابِع ابن الصبّاح خصومه السياسيين من أهله، بدعوى أنّ «قتلهم أحلّ من المطر»، ويَقتُل السلفي المدخلي من اتباع حفتر إخوانه ممن يُصلّي معهم جنبًا إلى جنب، بدعوى حديث أنزله على غير أهله «طوبى لمن قتلهم وقتلوه»، فتُستَلبَ العقول ممن «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».

عندما يعجر البشر عن مواجهة الفكر بالفكر، والقِيَم بأحسَن منها فإنهم يلجؤون للقتل اغتيالًا، والقتل سرًّا، وسَل عن جريمة قتل الفكر المتمثلة في قتل الأستاذ جمال خاشقجي، وسَل عن القتل الذي أصبح باسم القانون في مصر الكنانة، وسوريا، والعراق، واليمن، واسأل عن التصفيات الجماعية على يدي المجرم محمود الورفلي في بنغازي، ثم لا تسأل بعد ذلك عن شيءٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد