حرب الإدانة!

لقد بدأت حرب جديدة مُنذ مهد الألفية الحالية، وهى الحرب الإلكترونية والذى يُطلق عليها من قبِل أجهزة الأمن التي وقعت تحت وطئة الشبكة العنكبوتية، بالقرصنة الإلكترونية. ومن حين بدأ أصحاب هذة الأعمال بالعثور على ثغرات ما من منظمة مالية أو استخباراتية بدأت تتوالى الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية لتُحاكي نِضال الواقع الجديد، وهى القرصنة التى تتنوع فى أهدافها فتارة تُوصف هذه الأعمال بالمشروعية إذا تم استخدامها لإبراز سهم على عدو أصبحت أعماله التى تتميز بالسرية والخصوصية في ملتقى أمام أعيُن الجميع، وللذكر أصبحت مهام الأجهزة المُخابراتية في مُعظم دِول العالم هي العثور على لقيط مقرصِن يتميز بالنباهة والدهاء، وهِما الصفتان اللذان لا يقلان عن الأمانة والانتماء، فضلًا عن الخِبرة التي يُكلل عليها من بعد توافُر كُل هذه الصفات، وكانت هي الحرب الأولى لمعظم أجهزة ووكالات المخابرات الدولية التي تستخدمها ضِد فرد ما متواطئ أو غير متواطئ بتسليط الضوء عليه عملًا بالفضول، أو برقابة موضوعية لهيئة داخلية أو خارجية، وبالطبع تتسم هذه الأعمال بالسِلم لممارستها من قِبل الأمن العام. وتارة أخرى تُوصف بعدم المشروعية لإفشاء معلومات سرية تتعلق بالأمن القومي لبلد ما كما فعل سنودن والذي تتخذه الآن روسيا شابًا مُدللًا يأوي في حِماها كذئب وحيد يستطيع بمقدوره أن يقلب موازين القوي بين روسيا وبلده الأم الولايات المتحدة الأمريكية الذي سرب عنها وأفشي لصُحف عالمية عدة وثائق خاصة وسرية تتعلق بأمنها.

وما كانت الحرب تسري دون تحقيق مآرب سياسية وإيقاع ضحايا من المدنيين العُزل عن مشاع هذه الأعمال البالغة في السرية، وقد بينت الأيام الماضية مدى نجاح عمليات التصفية في حق المدنيين من خلال تتبعهُم وتعقبهم بالتنصُت على حياتهم الخاصة بل قد فاق الأمر حدود العقل بذرع شرائح تسجيلية وتتبُعية داخِل جسد ضحية مُستهدفة، ومن ثم يصبح لُقمة سائغة فى عين الراصِد كما هو الحال أيضًا لِما حدث للناشِط الحقوقي جمال خاشقجي والذي ثبت أنه قد تم اختراق هاتفه من قِبل نظام شركة صهيونية قد باعت نظام أمنها لعدة دول منها السعودية، والتي يتستر عليها الولايات المتحدة الأمريكية بشرائط من التسجيلات الصوتية، والتي تُدين ما حدث في حق خاشقجي.

ومن ثم كان القمع جسديًا ومعنويًا حتى أصبح مألوفًا نراه، وكان هُناك مِحمل من إدانه على ذلك، بل تطور الأمر لاختراق خصوصية الأفراد والهيئات الأمنية والمالية، وكان ذلك في لهو الخيال إلا من بعض لا يتساوى بالقليل من محاولات حقيقية لاختراق نظام أمني وتعطيل نُظم اتصال في مواجهات عابرة السبيل ليست مُرضية لحشد أنباء.

 إلا أن المقاومة ظلت على الشاشات، وكان من أبرزها المسلسل الأسباني mr. robot ،la casa de papel، والهرم الرابع فى مُحاكاه السينما المصرية!

حتى أصبح مواجهة هذا العالم الذي يعقد بممارساته في ظِل حامي من خِلال الشاشة دون الواقع الذي يكون حلبة للنِضال أمام هذه الأعمال الضالة في الظُلمات. ولا نقض هُنا لما أصبحت هذه الأعمال الفنية تتمتع بمشاهدة عريضة من قِبل البشر، حيثُ إن التعاطُف يلُامس مشاهِد تِلك الأعمال الباحثة في مُجملها عن حقوق الشعوب الغافلة عن أمر نزاهة حُكامهم عن كُل ريب.

إلا أن الأمر في العقود الأخيرة كان باعثًا للعنان، وعلى ألسنة المحللين السياسيين وحتى الاجتماعيين القارئين للمشهد بأن هُناك مُؤامرة تُحاك أذرعها على مخفى من الشعوب، فأحيانًا تنتبه أذناك إلى أن هذه الدول تسير وفقًا لحكومة العالم الخفية الذي تكون رُؤيتها مُخططًا صهيونيًا شاملًا لم يتم القضاء عليه خلال الحرب العالمية الثانية، وأحيانًا تستمع للمؤامرات الماسونية التي ستهضِم العالم بأفكارها في لمحة بصرية عاجِلة النفاذ، وأحيانًا أنباء مأساوية بأن هُناك نيزكًا أو حجرًا مُبتعثًا من كوكب آخر لم يتم الكشف عن اسمه يحولان لستقرار حياة البشر، لكن المرء الذي يعيش داخِل حقل الأرض لا يتماشى بذهنه أبدًا على هذه النبوءات؛ لكونه يأكل ويشرب ويعيش في غِنام استقرار تحت ولاء أحد من الحُكام.

وهذا من طبيعة الفِكر البشرى الذي لا يلهو مع مُماراسات تغيب عن خواطِر عينيه، فما كان لكُل مُستمع من نبأ غائِب إلا لإطلاق الإهمال، حتى أصبحت الشعوب تُقاد في سِباق توفير سُبل العيش في حين القِلة المتؤامرة تتحلى بشراب سُكر معمور نخبًا للغفلة والاستغلال!

والحق صديق على ذلك بتعاطُفنا مع شخصية البروفيسور  في مُسلسل la casa de papel الذي كان ينهج بُسبيلين في إنجاح خِطته، ألا تسقُط ضحية خِلال عمليات السطو، ولا اعتبار أبدًا لعلاقات حُب تنشأ أثناء تِلك العمليات، وكأن إفساد الحياة العامة الرتيبة في مُعظم الدُول هُم الضحايا الذين يجلبون اللعنة الفورية على المُجتمع، وأمر الحُب السالب للعزيمة والاستقرار، فكان أمر الحُب نهاية دائِرة لإيقاع الضحايا بداخِلها على غفلة من المتحابين العاجزين عن مخالب وآثار مثل تِلك العلاقات، وهو ما تجسد فعلًا في حبكة الأحداث وتطورها بالخروج عن الخطة المعمولة من البروفيسور.

وأوصلتك لهذة النقطة يا عزيزي لنمزح سويًا عم إذا كان سيحدُث لو لم يستبق عقد الزواج بحُب ينشأ بين الطرفين، وهذا ما أصبح عليه الواقع فعلًا إن لم أجزم على سبيل الإطلاق، فالأكثرية أصبحوا يسخرون الآن من أمر الحُب وما يتبعه بأنه أصبح موضة قديمة، والنجاة إذًا حين إطلاق ذلك فهذا سيولِد لنا بروفيسورًا جديدًا يقود أمر الشعوب لتحقيق النصر دون عقد عزم على إراقه روح أو عبث مرح مع طرف ما يحول دون وضع خِطة مُحكمة يُضرب بها عُرض الحائِط بعلاقات لا محل لها فى ظِل وجود مُؤامرة كونية من صُنع البشر على اصطياد البشر!

وهذا المأخذ الذي سلكناه سويًا، يُذكرني بمدى الحُرية التي كانت متوفرة بالمُناخ العام في مصر إبان حُكم د. محمد مرسي، سلك حينها من الإعلاميين العُزل عن كُل نفق وبُهتان، حتى تطور بهم الأمر للسُخرية من شخص الرئيس عن ماذا يأكُل ويشرب ويرتدي من ثياب، وهذة النُقطة التي أريد الوصول لها، وهي أن مُناخ مصر بأكمله لم يشهد من قريب أو قريب إطلاق لسان التعبير!

ومن هذا الواقع الحاضر بمصر والذي لا حتمال لإبداله ما دامت ستظل الألسنة كاهِلة في مأتم باللجوء داخِل الحلق، لن يتطور أبدًا خيال الشعوب لخطف خاطِر من مُؤامرة، بل لن يتطور الأمر لعقد سلام داخِل عقولهم بتصوير مُستقبل من أجل أحفادهُم!

وإذا قارنا بين العقلية الشرقية عمومًا والغربية خصوصًا وسنُمثِل لها في شخص البروفيسور بكونه يتمتع بصلاحية للتفكير وإطلاق عنان التصور والمآربة عن الضيق للخروج من مأزق ما، فإن الحال معدوم على العكس تمامًا من شعوب يُآخذها اللهو والحنان، إذا خرج من لسان حُكامِهم سُخرية كاذبة من مزاح يُراوِد أوجاعهُم.

وما كانت للإدانة يومًا سبيل في دِول شرق المتوسِط، على مُطلق الأعمال المُتوارية في حقوقهم، والذي لها من خطورة في رسم حاضِرهُم ومُستقبلهم، إلا أن النِضال كان نشاط العاطفة الذين يتمتعون بها حين يتربع على أذهانِهم la casa de papel في صورة مِن الخيال!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات