لا تخفى عن عاقل تلك العلاقة بين فرنسا والجزائر، سواء تاريخيًا أو في الحاضر، هي متجذرة في ثقافة الجزائريين، في تصرفاتهم، في كلماتهم، في بعض العادات والتقاليد، وفي بعض المعتقدات والتصرفات، حتى صار الجزائري والفرنسي لا يختلفان سوى في بعض التفاصيل، تلك التي تشدّ الفرنسي إلى أوروبا، وتلك التي تربط الجزائري بأفريقيا والإسلام.

لنضع المناوشات العسكرية على جنب، وكافة الجرائم الفرنسية في حق الشعب الجزائري أيضًا؛ ولنركّز على الجانب الإنساني الذي أهمله الفرنسيون على الأرض الجزائرية، وأهمله الجزائريون في قلب الثقافة الفرنسية، ولكل واحد منهما وزره في هذا الميدان؛ فلم يلاحظ الفرنسي بأنّ الفرد الجزائري هو فرد زاهد متطوّر الاتصال بالبقاء، وسطيّ التعلّق بالدين، متطرّف في حبّه للسانه العربي ومعتقده الإسلامي، ثائر على التنظيمات والقوانين، مناصر لكافة الشعوب المظلومة على هذه الأرض، كما أنّ الجزائري من يتأمّل الجمال الفرنسي ولا تلك الرقة العبقة التي تظهر على الشفاه الفرنسية، ولا تلك الحماسة الحية التي تنفث بهجة ولطفًا من الروح الفرنسية المتحضرة، بل ركّز كل واحد منهما على صفات سلبية لدى الآخر، فكان الجزائري يتأمّل فظاعة الشنيع من الثقافة الفرنسية، والفرنسي يرقب كل فعل غير متحضر وهمجي من الجزائري أيضًا.

للجزائر كل مقومات الوجود الكريم، ولفرنسا كل مستلزمات العيش الأنيق، وكل واحد منهما بإمكانه أن يرافق الآخر في حياة محبة وسلسة التناغم، لكن يجب أن تحاط العلاقة بينهما بالاحترام، فلا الفرنسي ينظر إلى الجزائري كأنديجان، ولا الجزائري ينظر إلى الفرنسي كجزار بشري، فلكل واحد منهما كرامته وخصائصه؛ ستكون النغمة العربية أو الصوت الأمازيغي من مكونات الجمال الفرنسي على أرض باريس، لو أن مدينة النور أدركت عمق التنوع الثقافي المحترم، وسيكون للفؤاد الفرنسي العاشق رسوماته البهية على أرض تلمسان أو قسنطينة لو أدركت الجزائر ما معنى الحكمة من استحضار الجمال والرقة.

لقد أثبت التاريخ بأن البشر هم وحدهم سبب شقاقهم وعداواتهم التي لا تنتهي بالخير في أغلب الحروب والأحقاد، حتى أنّ الصراع بين الجماهير صار من المقدسات التي تلهب الحماسة الوطنية وتزيد النار القومية استعارًا، وما مصائب الفرد مهما كان جنسه ولونه ودينه وعرقه سوى من اعتقاد التفوّق وغرور حب الذات؛ لا يمكنني أن أتصوّر الجزائر بدون الثقافة الفرنسية، ولا يمكنني أن أتخيّل فرنسا بلا نكهة جزائرية، لأنهما أمتيْن خلقتا لتعيشا معا، رغم الاختلافات الجوهرية التي تكمن في صلب روحيهما إلا أنهما أجمل صور التعبير الوجودي عن الوجود المشترك.

معارك طاحنة بين الغرور الفرنسي والأنفة الجزائرية، ومع ذلك يوجد في الجزائر ما هو فرنسي، ويوجد في فرنسا ما هو جزائري، فبين المنطقتيْن جانب إنساني يسحر القلوب والألباب، ولكم أن تسألوا مرسيليا عما أتحدث.

كم أتمنى أن أشهد حوارًا بين ألبير كامي وياسمين خضرة حتى يفهم قارئ هذه الأسطر التداخل الخفي بين الثقافة الجزائرية والحضور الفرنسي، ولكم أتمنى عودة محمد ديب أو محمد أركون إلى الحياة ليفهم المتعصب للجزائر كم أنّ الروح الجزائرية هي موجودة أيضًا في قلب باريس؛ يمكن أن نسترجع أيضًا ذاك الاعتراف بالجزائر من طرف الأباطرة الفرنسيين وهُم يقفون محتارين أمام غمكانيات الجزائري الأمير عبد القادر، وكل من لحقه في ركب البطولة، وكم هو جميل حضور الاندفاع الجزائري في الروح الناعمة لكل فتاة فرنسية تحلم بفروسية الشباب الجزائري الرهيبة وغيرتهم على أحبائهم؛ من يفصل بين فرنسا والجزائر لا يحب كليهما، إذ مثله كمثل ذاك الذي يسعى لفصل عاشقيْن عن بعضهما البعض بحجج مختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد