عرفت المنطقة الإسلامية في العقدين الماضيين حروبًا شرسة، منها ما كان غزوًا أجنبيًّا، ومنها ما كان حربًا داخلية أدت إلى صدام مباشر بأجهزة الأمن والجيش داخل الدولة، وترتب على ذلك انتشار غير متحكم به في السلاح والعتاد العسكري الثقيل منه والخفيف، وحتى مواد كيميائية محرمة الاستخدام دوليًّا، مثل «غاز السارين، والفوزجين، وغاز الخردل، وغازات أخرى» مميتة أو تترك أعراضًا مزمنة خطيرة، وهذا لا يعدو استخدام أدوات محلية (ميلشيات، طوائف، جماعات مسلحة…) لتحقيق أغراض أجنبية، بمعنى ما من مصلحة مأمولة من تلك الحروب والدمار والتقتيل سوى تنفيذ إرادة قوى المركز الدولية، وهذا ما تجلت معالمه خاصة في العراق.

لكن تزامنًا مع فترة الحروب بالوكالة، التي أصبحت فيها القوة العسكرية البشرية الغربية بالكاد منعدمة، إلا في مسائل التخطيط والإشراف على المعارك والحروب، وتقديم الإحداثيات للقصف في المقابل أعداد هائلة من المواطنين في العالم الإسلامي والعرب وغير العرب من يتولى تنفيذ الخطط ميدانيًّا، ما أدى إلى زيادة تحكم الشعوب الإسلامية، والعربية على وجه الدقة، بالسلاح وزيادة قدرة استخدامه بالقدر الذي يوازي القوى العسكرية الكبرى، بما يهدد مصالحها الاقتصادية والإيديولوجية القائمة على الهيمنة العسكرية على العالم.

ولعل أبرز مثال على ذلك هي ليبيا، التي ظلت مرتعًا للميليشات المسلحة التي ظهرت بعد عسكرة الثورة ضد نظام القذافي، ونتج منه امتناع الثوار لوضع السلاح، وبهذا يكون الشعب الليبي قد انضم إلى محور العراق، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، ونيجيريا، والصومال، ومالي، وهذا ما لا يدفع القوى الاستعمارية بالمغامرة في الجزائر وتمكين شعبها بالسلاح لإبعادها عن محور النزاع والاقتتال الداخلي، خشية تقويض السلطة السياسية الحاكمة، ومنه التفكير في ضرب المصالح الغربية، وأهمها توحيد البوصلة نحو إزاحة الكيان الصهيوني الذي لا يعدو، حسب تعبير الدكتور أكرم حجازي، «قاعدة انطلاق دموية سريعة» لقوى التحالف الغربي.

لقد عاشت الجزائر في التسعينات مرارة امتلاك الشعب للسلاح لفترة دامت أكثر من عشرة أعوام، ولا تقل بأسًا عن الثورة السورية؛ فقد ساهم العامل الخارجي كثيرًا في الإفتاء للسلطة بقتل الشعب، والإفتاء للقوة المسلحة غير النظامية برفع السلاح ضد السلطة، بعيدًا عما تمارسه السلطة من تعسف واعتقال وقتل ضد من يشتبه بهم.

إضافة إلى العوامل الخارجية والتاريخية، فكان تماسك الجبهة الداخلية للمجتمع الجزائري العامل المهم في صد الاختراقات السيئة النية، التي تدفع إلى الاقتتال، سواء من الداخل أم الخارج؛ فقد التف الشعب الجزائري حول قضية يؤمن بأنها داخلية محضة، لا شأن للجار والصديق والعدو فيها، والمسؤولية لا يتحملها إلا المواطن الجزائري، وعليه آثر شعار «السلمية» للثورة، خاصة في بعض حالات التعسف الأمني التي يتعرض لها المتظاهرون في الشوارع، إما صراخًا بالحناجر وإما أعلامًا ولافتات تساق هنا وهناك.

للعامل الإقليمي دور آخر في تنبيه المجتمع الجزائري على ضرورة درء العنف، فإن لم تكسبه شيئًا فلن يخسر أشياء، وربما تكون الثورة «السورية واليمنية» أهم الحالات التي يمكن أن تستشف منها العبر والدروس حول مآلات العنف، التي دائمًا ما ينتج منها (قتلى، شهداء، مشردون، أرامل، ثكالى، يتامى…)، وهي مشاهد تبعث بالريبة أمام مسار العنف والعسكرة، وغياب التصعيد من كلا الطرفين جعل الوضع مستقرًّا ومحافظًا على الوضع السلمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد