إن التقدم العلمي والتكنولوجي الحاصل في مجالات الحياة كافة، هو الذي مكن الإنسان من الانفتاح على شعوب العالم بفضل وجود الشبكة العنكبية وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك؛ تويتر؛ واتساب…) التي جعلت الإنسان قادر على الوصول إلى الناس في مختلف بقاع العالم وهو جالس في مكانه، بل وحتى على مستوى المجال التعليمي، فوجود مثل هذه الوسائل المتطورة مكنت الإنسان من الحصول على المعلومات بشكل أفضل وبطريقة سلسة. والواقع أن هذا التطور الهائل وبدون شك قادر على التأثير في نفسية المتلقي بشكل كبير، وتجعله ضحية بروباجندا إعلامية، وهذا ما يبرز سطوع العديد من المفاهيم المغلوطة؛ إذ أضحينا اليوم، نتداول مفاهيم عدة، لكن دون الوعي بمعناها الجلي. بل الأكثر من ذلك، إن الواحد منا، يمكنه أن يَقتل أو يُقتل بغية الدفاع عن بعض المفاهيم والأفكار التي يؤمن بها إلى حد  الدوغمائية، وهو غير مدرك تمامًا لحقيقتها وفحواها.

إن ذيوع وانتشار هذه المفاهيم البعيدة عن الصواب في مجتمعنا العربي الإسلامي اليوم، له – طبعًا – ما يبرره. ولعل أحد أهم أسباب هذا الرواج لبعضِ المفاهيم والأفكارِ المغلوطة، أننا مجتمعٌ للأسفِ لا يقرأ، مجتمع بات يتحصل المعرفة إما عن طريق شاشة التلفزيون، هذا الجهاز الأيديولوجي الهدف منه هو السيطرة على عقول الناس وتفكيرهم، ونحن نعلم ما يقدمه لنا من برامج تافهة ونهجه لسياسة الاستحمار، عذاب ذاقه الجمهور المغربي من رداءة المنتوج المقدم، وإما يهرب المتلقي من هذا الجهاز الذي يفرض عليه ما يشاهد، ويختار شكلا آخر؛ يكون فيه حرًا، وهو الهاتف الذكي، بيد أن ما يغيب عن الكثير من مستعملي هذا الجهاز المتطور أنه يفتقد في غالب الأحيان إلى المصداقية، ومثال ذلك نجد العديد من الصفحات شغلهم الشاغل هو التضليل وإعطاء معلومات غير صحيحة البتة، حتى أننا لا نعرف أصحابها من؟ وإلى جانب كل من التلفزيون والسمارت-فون هناك آلية أخرى، لا تقل خطورة عنهم ألا وهي الخطاب الديني، بحيث يتلقى المواطن العادي خلالها المعلومة عن طريقِ الفتاوي التي يُقدمها رجال الدين بشكل مستمر وتأويلات الجماعات المتطرفة الذين يعملون على شحن الشاب المسلم بأفكار دوغمائية.

نحن إذن أمام معرفة قائمة على مبدأ الحَكْي والخطابة، وهي معرفة أكثر تأثيرًا في الإنسان العادي الذي لا يقرأ، بحيث أنها لا تكلف جهدًا من جهة، ولكونها متاحة من جهة أخرى كما يقول الأستاذ محمد بدازي. إننا فعلًا لم نخرج من عالمنا القديم، فسوف ندفن فيه، نجتر لنعيد إنتاج العقل الخرافي القديم ومستمتعين بتخزين الحكي في عقولنا، كما نخزن الطعام في بطوننا.

إننا مجتمعٌ يفوه كلامًا دون الوعي بمعناه الصحيح، وينعت غيره بأنه عَلماني وملحد، لا لسبب إلا لأنه رفض ما حصل مثلًا في مدينة وجدة؛ حيث أثار شريط فيديو انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمثليتين أقاما حفل خطوبة، أو ما يحدث كل سنة في شهر رمضان، لما يتعرض غير الصائمين للكثير من ردود الفعل الساخطة تتمثل في السب والضرب في الشارع العام. نعم، يكفيك في المغرب أن تدافع عن حرية الأفراد، أو حرية المعتقد، حتى تُوصف بالعَلماني الملحدِ. من يدعي أن زمن الخرافة قد ولى، فهو مخطئ.

إلى كل الإسلاميين المتطرفين أقول لكم: إن كنتم تملكون مفاتيح الجنة فأغلقوها، ولن تخدعونا نحن نعرف حقيقتكم. للأسف هذه الانفلاتات أصبحت بوفرة، نحن في القرن الواحد والعشرين وما زلنا في المجتمعات العربية لا نفرق بين الحياة الخاصة حيث يكون الفرد هو المسؤول وحر في اختياراته، وبين العلاقات بين الأفراد، صدق جان بول سارتر حينما قال: «الآخرون هم الجحيم».

هذا الوضع الكارثي أصبح يحتم ويفرض علينا استيعاب القرن الثامن عشر لننخرط في العالمي وإلا سننقرض تذكروا هذا جيدًا! إذن الاختيار بين أيدينا اليوم إما أفق الحداثة والعقلانية وإحتواء فكرة العلمانية وإما التقليد والتقوقع على الذات ونبقى خارج التاريخ؟

إن ما يجهله هؤلاء الذين يستمدون علمهم من مصادر مشكوك فى أمرها أو أنهم يتعمدون ذلك رغبة منهم فى أن يتلاعبوا بمضمون الكلمة لأغراضهم الذاتية، ويدونون مقالات يُحذرون فيها من كلّ عَلماني أو ملحد، لكونه يُشكل خطرًا على الهويةِ الإسلامية! هو أنه ما كانتِ العَلمانيةُ يومًا ضد الدين، وهذا المفهوم المشوش لا يعني نقد الدين كما يروج له الظلاميين، وهي لا تعني الكفر أو الإلحاد بل المقصود بها هو «الحياد»، كما يقول الفيلسوف جون لوك في تعريفه للعلمانية «للدولة خصوصيتها وللكنيسة خصوصيتها، ولا يحق لهذه أن تتدخل في تلك». أما ما يسمى بالهوية فهي موضوع تجديد وتحديث وليس شيء كان منذ البدء. الهوية هي مشروع ينبغي إنجازه.
هنالك إذن، لبسٌ أو سوء فهم حاصلٌ لذا الكثير منا حول مفهوم العَلمانية، وهو للإشارة، لبسٌ قد يكون عن قصد أو عن غيرِ قصد.

لا يجوز أن نتحدث عن العَلمانية دون الحديث عن الفلسفة وعلاقتها بهذا المفهوم، ولكن هذا بطبيعة الحال يدفعنا إلى أن نتساءل في كل مرة، عن كيف نربي تلميذًا منذ القسم التحضيري على الوثوقية ونطلب من أستاذ الفلسفة أن يربيه على النقد في الثانوي؟
يجب أن نعترف وهذا شيء قاله الكثير من الدارسين والمثقفين، هو أن المشكل ليس في الأستاذ، المشكل بنيوي يكمن في المنظومة التعليمية العاجزة عن إزالة الصور النمطية. وإن ما يجب أن نأخذه بعينِ الاعتبار، هو أنه لا ينبغي أن نحاسب الإنسان بكتاب واحد هو كتاب الإسلام، بل على العكس من ذلك يجب أخذه باعتباره كتاب هداية سماوي أخلاقي للمحبة، هذا أهم شيء. وليس كتابًا للتزمت.

«إن الفلسفة هي فكر حر وليست فكرًا من قبيل هل أنت ملحد أم مؤمن؟ الفلسفة لا تسأل عن إلحادك أو إيمانك، بل تسأل عن أفكارك، وماذا تقدم للناس بحجج وبراهين والقبول بالتعدد والاختلاف، لكي يصبح عندنا مواطنون مبدعون».

علاوة عن ذلك، إن مزايا العَلمانية اليوم في مجتمعنا العربي، أنها تسعى إلى المساواة بين أفراد المجتمع، بقطع النظر عن معتقداتهم الدينية، بمعنى أنه يسعى لبناء مجتمع، يعتبر فيه المواطن مواطنًا بصرف النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الثقافي. والحالة هذه، فالدولة العلمانية هي التي تعتبر الدين ليس أساس التشريع، ليس مصدرًا للقوانين والدولة لا تمارس الوصاية على المجتمع أي أنها لا تضبط هذا الأخير من منطلق ديني، بل تترك للأفراد اختياراتهم الحرة. إذن فهل هذه الشروط متوافرة في دول شمال أفريقيا ودول الشرق الأوسط؟ إن جميع الأنظمة الملكية أو الحكم الفردي لم تكن أنظمة علمانية، وكانت أنظمة تستعمل الدين بدرجات متفاوتة سواء في حق الشرعية (شرعية الحاكم) أو في ضبط المجتمع.

من هنا، فإن العلمانية هي طريقة من طرق التفكير ودعوة ملحة لاحترام الغير والتعامل معه على قاعدة الاختلاف والتسامح بدل التقوقع على الذات، العلمانية هي الحداثة والفكر الموضوعي التقدمي الإنساني، العلمانية هي أنسب مناخ لمختلف التوجهات الحزبية والدينية، ووحدها كفيلة بتحسين أوضاعنا. إنها أرقى ما توصلت إليه الإنسانية.

على سبيل الختم، يجب تجاوز الفكر التقليدي الخونجي، لأن برفض فكر الغير لا يمكن البتة أن نحمي أنفسنا!
متى تحقق نزع القداسة عن الدين، وَتم فَصله التام بلا رجعة عن الدولة، تأثث لنا بناء الإنسان العربي الفطن، الضليع في النقد، المُنتشي بالتفكير في الحاضر، والمؤمن بالاختلاف والتعدد. قد يقول معترض: إن الوصول إليه أمر صعب والطريق إليه أضيق. ولكن، سأقول، للزمان صَوْلَةٌ على المستبد والتاريخ لا بد أن يستجيب يومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد