«لا تكذبي»، قصيدة الشاعر كامل الشناوي، من أكثر القصائد الغنائية براءة، في لفظها ونظمها، وأكثرها عبقرية في اختيار مفرداتها وصياغة تجربتها الشعرية.

ولأن هذه القصيدة صادمة بطبيعتها بلا تأويل، فقد حِيكت حولها القصص والحكايات، لكنها بصورتها الأولية عند قراءتها من البداية وحتى النهاية لا تدع متذوقها بحاجه إلى معرفة ما وراء هذه الكارثة العاطفية التي حلّت بشاعرها؛ فأخرج كل هذا الخراب الإنساني والعاطفي ليصدم به قارئه.

وصِدق التجربة في الشعر خصيصًا من بين كل فروع الأدب الأخرى من أهم العوامل في تأثير القصائد التابعة لها، حتى وإن خرج النظم ركيك اللفظ، فالصدق يخترق اللغة اختراقًا، ويحيل كلماتها البسيطة إلى قنابل لفظية تنفجر بالنفس والقلب والروح، فما بالنا وشاعرنا رقيق الكلمة خبيرًا بالنظم، عالمًا بالقصيدة وبحورها، بليغ النطق، شجي المنطق.

لكن – بداية – هل مرّ الشاعر بهذه التجربة بالفعل؟

ثمّة احتمالات متباينة:

أولها: أنه بالفعل مر بذلك، وهذه لا يمكن التثبت منها، على الأقل بناء على تعاملي الخاص مع ظاهر النص.

ثانيها: أن تكون إحدى القصص المنسوجة حول القصيدة حقيقية، وأن الشاعر رأى محبوبته مع أحدهم (كلقاء) لا يخدش الشرف، لكن غيرته اتقدت، وظنّه بتملُّكها أشعل قلبه، فجعل من همسهما قصائد غزل، ومن نظرهما لبعضهما بريدًا مشتعلًا، ومن المصافحة أحضانًا، وهكذا الحب يجعل من اللا شيء شيئًا، ومن الشيء قصة إنسانية كبرى تروى لأجيال، كهذه القصيدة.

ثالثها: وهو أن الشاعر الكبير قد تلبّس بالتجربة دون خوضها، وصبغت بها نفسه، وأشربها روحه، وتشعّبت بقلبه، وجرت بعروقه مجرى الدم، ربما كان السبب في ذلك خبرًا أو قصة سمعها، أو شعورًا جال بخاطره؛ فتعامل معه بصفة شخصية جدًا، وهذه عبقرية فذة قلما تتيسر لكل أحد.

وأي شاعر كان الشناوي، راهبًا للحب عاش، وبسببه مات، وظل الحب الذي تغني به في حياته نابضًا بقلبه في رَمَسِه، صارخًا، يفوح ألمًا وحسرة.

ومع ذلك فإذا أردنا الوقوف على مصدر القصيدة (من باب الترف المعرفي) وغصنا أكثر في شعر الشناوي وكتاباته النثرية القليلة، وضممنا الشواهد لبعضها لقلنا بشيء كبير من الثقة أن المصدر (المشهور) حقيقي، وأن أغلب قصائده خرجت من مشكاة واحدة، فآلمته وعذبته بالبعاد والعناد والفراق، بل بالقرب والكلام والصمت، والمتتبع لشعره سيجد أن المعاني ذاتها، بنفس الشعور، بنفس الإحساس، بنفس الألم، متكررة؛ فالوجع والحزن لما يرى منها، ووجود الغريم وغيره، تفعيلات شعورية صاحبت أغلب قصائده، إن لم يكن كلها، والمعروف عن الشعر العاطفي أنه متنوع، ولا يتنوع إلا بتنوع مصدره، ومصدره في أغلبه امرأة، بمعنى تنوع التجربة الشعرية، ومما يُؤْسَف للشناوي أن تجربته تعددت زوايا رؤيتها لكنها واحدة، وتألم بها ومنها ألف مرة.

ففي قصيدة حبيبها تجد تناص عجيب في الفكرة بينها وبين (لا تكذبي)، ولو وضعتهما أسفل بعضهما لاستحال على حديث العهد بالشعر أن يُنكر أنهما قصيدتان مختلفتان، وليسا قصيدة واحدة، وقصيدة (لا وعينيك) إنما هي (لا تكذبي) في جزئها الذي يعلن فيه تحرره، ولكن من زاوية أخرى، وقصيدة (حياتي عذاب)، والتي غنتها أم كلثوم بعنوان (بعيد عنك)، إنما تصف حاله وقت الحب وململته فيما قبل (لا تكذبي).

حينما صدرت هذه القصيدة (لا تكذبي) عام 1962 زلزلت القاع العاطفي الراكد في قلوب الكثيرين إثر هزاتهم العاطفية الخاصة، فما ثَمّ أحد بلا جرح، لكننا نضمد جراحاتنا بالصمت، ربما كان الشناوي لا يعلم أن قصيدته ستبلغ كل هذا النجاح وقتيًا، فتسري بين الجماهير بهذا الشكل، ويتلقفها عمالقة الغناء كإرث خاص تقوم عليه الخصومة كنجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، بل بين الملحنين أيضًا من طمع فيها كبليغ حمدي، وكلهم يريد أن تقترن القصيدة – غنائيًا – بتاريخه الفني، لما ستبلغه من نجاح إنساني عبر الأجيال كانوا يجهلونه.

في بدايتها تجد نفسك أمام خيانة، بكل ما تحمل الكلمة من خسة، وبكل ما تبرق به في الخفاء من وَضَاعة، وبكل ما تشير إليه من انحطاط إنساني.

لا تكذبي..

من مصدوم خرجت، من خيانة جلية ظاهرة بزغت، ومن أفق الغدر الدامي أَطَلّت.

لا تكذبي، ليس إنكاره لسوء الكذب كخلق دنيء، بل رحمة لقلبه الأبله من استمرار تسلسل الخداع الذي كان يصدقه قبل رؤيتها في (موقف خيانة) كما تجلّى في نفسه وانعكس في روحه ورآه في قلبه، ولو كُتب لهذه القصيدة وذاك المشهد أن يُكتب نثرًا، ويُفَصَّل بالشعور والإيماء والحركات على طريقة الرواية لخرجت القصيدة أسفارًا؛ إذ الكلمة تكتسب قوتها من صدقها وموقفها وقائلها وشعوره بها، وما يُحَمِّلها به من إحساسه، وما يريد منها أن تُعَبِّر عنه، فما بالك بـلا تكذبي، يقولها شاعر في موقف خيانة من محبوبته التي تصغره يقرب بثلاثين عامًا!

ظلام يكتنف الوجود حوله، لا يرى خلاله سوى ماضي حُبّه المتلاشي كدخان عفن تخلّصت منه، وآمال تحطمت كبلور سقط من السماء على صخرة شديدة جارحة، ولا يلتمع في عينيه الكسيرة المتكسرة بتجاعيدها سوى اللذين يفترسان قلبه بلا رحمة، ويريقان شعوره أسفل قدميهما الملتفّة، ويعتصران حُبِّه بنشوة بين شفاه ظامئة تزيد من حرارتها لذة الخيانة، ثم يؤكد الشاعر برجفة وذهول أنه رآهما معًا، وفي هذا الموقف لا يرى العاشق الأشياء كما يراها غيره، بل هو في سكرة كسكرة الموت أو أكثر، لحظة تتجلى فيها الحقائق مجسدة، فتُرى وتُلْمَس وتُحَس، منصوبة أمامه كعرائس نابضة بالجرح والألم بعثتها الخيانة، فينبض القلب بالكراهية، ويطوف بالنفس سُحُب الحقد والضعينة والبغضاء فتخنقها، وتغلفهما معًا.. العاشقان الخائنان.

لذلك: ما أهون الدمع الجسور إذا جرى!

ولو جرى أنهارًا من عين كاذبة، وأنكر بكل طاقته، وادعى على العاشق المسكين أنه لم يفهم ما رأى، أيغسل هذا الدمع ما علق بقلبه! فرفقًا.. لا تكذبي.

ثم يؤكد الشاعر مرة أخرى أنه كان حاضرًا، وأن ما رآه وسمعه لا يحتمل التأويل، وأن الخيانة وقعت بكل مفرداتها ووضاعتها:

عيناك في عينيه؛ تلك النظرة الشبقة أو الحانية أو الحالمة المنبثقة من عينكِ لعينيه، تتأمله، تسبح بملامحه، تطوف بحُسْنه المرسوم بمقلتيك، نظرة تتأرجح فيها العيون بين رغبة وظمأ، لتكون ذريعة لتقارب الشفاه المتلهفة، تلك الشفاه اليابسة من وهج الحرمان، مطليتان بشفق البعاد، يتقدان بنار الانتظار للحظة مناسبة، فترتجفان، يترددان، حائران لاستقبال قبلة فيها شفاء روحكِ، وهدوء لوعة قلبكِ، وسكون نفسكِ، فتترنحين بعد أن ذاب الجسد في كأس شفتيه، وتشابكت اليد باليد، والتفت القدم بالقدم، فإذا أنتما شيء واحد؛ ماء اختلط بماء!

ويداك ضارعتان، تتحديان الشوق بالقبلات، تلذعني بسوط من لهيب، بالهمس، بالآهات، بالنظرات، باللفتات، بالصمت الرهيب!

إنها ليست حالة حب عابرة، أو لقاء شوق رتّبه القدر وينتهي، ولا نزوة جمّلها شيطان، بل عبث الحب الذي يذهب ويجيء، ويعلو بالقلب وينخفض، فتصدر عنه حركات لا إرادية، ويبدو هيستريًا في تصرفاته غير عابئ إلا بِرِي الظمأ، ويلعن أوقات الحرمان التي مضت.

تحد لا يعرفه إلا من أحب ورأى حبيبه بعد فراق، ويُنشد بين ذراعيه ملء صحاريه القاحلة بفيض غيثه المكنون في صدره، ويكون القلب أمام تلك المفاجأة أقرب للجنون، فيعمد إلى رشف كأس الحب دفعة واحدة، فيفعل كل ما تخيله وحلم به حين اللقاء؛ ما بين شد وجذب، وأحضان وقبلات، وضحكات وآهات، وهمس ولمس، وصمت رهيب تتحدث خلاله العين، فتشكو وتعتب وتلوم وتعانق وتُرَحّب.

كل تلك المعاني يدركها الحبيب (الشناوي) الذي رأى من زاوية قصيّة ما صدر من معشوقته الوحيدة، فتناثر قلبه نثر النجوم، أو الأحجار بطريق مقطوع، لذلك قال: ويشب في قلبي حريق، ويضيع من قدمي الطريق.

وتطل من رأسي الظنون تلومني وتشد أذني، فلطالما باركت كذبك كله ولعنت ظني.. لعنت ظني.

هنا تبرز اليقظة، ويحين وقت الإفاقة، ويطول التأنيب والحسرة بكل قلب مَرّ بتجربة مماثلة، فالمحب الصادق، يتعامى عن عيوب محبوبه ولا بد، ويحمل سيئاته على أفضل الأوجه، وإن كان خطأ بينًا لاتهم نفسه بسوء الظن، ثم يكون السبب الآخر في ذلك هو الأمل في إصلاح محبوبه، والرغبة في الوصل، والخوف من مراجعته كي لا ينصرف وينقطع حبل الود بينهما.

وهذه المرحلة لا يدرك خطرها المحبون غالبًا ولا يفهمون طبيعتها؛ إذ إنها مرحلة تأسيسية لعلاقة ممتدة تنتهي بانتهاء العمر، وكلما تغافل أحدهما عن أخطاء الطرف الآخر دون محاسبة أو مراجعة، تحوّلت تلك الأخطاء مع الوقت إلى جمر يُعَذّب به، ويكون الآوان قد فات للإصلاح الحقيقي.

ماذا أقول لأدمع سفحتها أشواقي إليكِ، ماذا أقول لأضلع مزقتها خوفًا عليكِ.

هذه اللحظات هي قمة المأساة وذروتها، فتشتد وتستعر حين التعامل اللا إرادي مع تَرِكة الحب، هذه الأشواق التي كَنّها لها، والحب الذي أضمره، ومدينتهما التى خططها في خياله لهما، جلوسهما معا عند الصباح، إهداؤه الوردة لها، ابتسامها في وجهه، ما عقد عليه قلبه من مواقف وأشياء ستجمع بينهما ويشتركان فيها، حتى أنه كان يتخيلها كما قال في قصيدة أخرى: وعانقتني، وألقت برأسها فوق كتفي، تباعدت وتدانت كإصبعين في كفي! كل ذلك تهدم في لحظة كعادة الحب دائمًا: يُبني في ألف عام، ويُهدم بموقف أو كلمة!

وهذه المرحلة التى يفترق فيها المحبان ويتباعدان، هي أسوأ الأوقات التي يمر بها إنسان في تاريخه، إنها كهزيمة الحرب وأكثر، يشعر خلالها بكل أسى ومقت للحياة وما فيها، ويُظلم الوجود في عينيه فما ثَمّ شمس تشرق بجنباته ولا قمر ينير طرقاته، ثم يحمل نفسه – بغرابة – ذنب أخلاقي، وقد يحتقر نفسه، كما قال الشناوي بموضع آخر: ويحفر الحب قلبي بالنار، بالسكين.. وهاتف يهتف بي: عار يا مسكين!

ثم هو لا يعنيه بعد ما رأى نعتها بأي كلمة، سواء هانت أو خانت، فهو توصيف لا محل له من الفاجعة، ولن يفيد في مأساته التي سترافقه طوال حياته، وهو هنا يصف (روشتة) نسيان حقيقية، لم يستفد هو منها حتى وفاته!

لا تخجلي، لا تفزعي مني، فلست بثائر.. أنقذتني من زيف أحلامي وغدر مشاعري.

كم كان قدر حبه لها!

إنني أقف أمام هذا البيت متعجبًا لهذا القدر من التعامي الذي يفعله البعض وقت حبه، فينكر الأخطاء، بل الفظائع، ويمررها كي لا ينكسر ما بينه وبينها رغم أنه مكسور بالفعل، لكنه يغض النظر، فلطالما رأى وسمع وشعر صدقًا أنها ليست أهلًا، وكان يبارك كذبها كله ويلعن ظنه!

فرأيت أنك كنت لي قيدًا حرصت العمر ألا أكسره فكسرته، ورأيت أنك كنت لي ذنبًا دعوت الله ألا يغفره فغفرته.

نهاية طبيعية لمن يسقي نفسه في سبيلها كئوس الوهم، رغم كل المشاهد الدالة على النفور وجفاف الحب، رغم ما تصطنعه من أسباب الفراق ويشد هو على أسباب البقاء، أطلقها بقوة رجل، دع زمامها من قلبك، أفتح لها القفص، دعها تجرب أغصانًا أخرى، لن تموت بعدها، ولن تجد مثل حبك، لكن الشاعر كان مستمرًا، رغم أنه على دراية إنسانية بالحب، لكن مهما كان المرء حكيمًا في شأن غيره، فهو في شأنه أقل حكمة، وإذا كان هذا الشأن هو الحب، فهو أكثر الناس جهلًا، لا يرى في الوجود غيرها، فالحب يعمى ويصم، ويشل التفكير، ويُكبّل الإرادة، ويوهن العزيمة.

ولقد برئت من الهوى ومن الجنون.

رحم الله الشناوي، فما أكذب هذا البيت، ولعله ختم به القصيدة ليحفظ به ما تبقى من نزف قلبه، فما مات إلا وبعض قلبه المتبقي من فُتَاتِه بعدها إلا وهو نابض بحبها رغم ما حدث، فكلما كان الحب كبيرًا كان الألم كبيرًا، والذكرى كبيرة، فلا تُنسى ولا تتوارى تحت رماد الأيام المتوالية.

وإني لأثق أن الشناوي لم يكن به حب طبيعي تجاهها، بل غرام، تلك الكلمة المنسوجة من السحر، وليس من اللغة، والتي ما دخلت قلبًا إلا وفتَّتَه، وسحقته، ونثرته في فضائها، لكن عجبي أن يستطيع ذاك الشاعر الكبير صياغة القصيدة، رغم ما يستعر به من ألم، بل كيف يستعلي على ذاك الألم؛ فيستخدم أقسى الكلمات في التعبير عن المأساة التي حاقت، والكارثة التي حلت، فيقول الجسور – ضارعتان – ترتعشان – تتحديان – سفحتها – مزقتها – وكأنه يجلد ذاته، ويذيق قلبه بيده مرارة ثمالة الكأس.

رحم الله كامل الشناوي وطيّب ثراه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد