ليه أمشي حافي .. وأنا منبت مراكيبكم
ليه فرشي عريان .. وأنا منجد مراتبكم
ليه بيتي خربان .. وأنا نجار دواليبكم
هي دي قسمتي؟
الله يحاسبكم

لم يكن شاعر العامية الكبير “بيرم التونسي” يعلم أن لسان حال العمال الذي كتب عنهم قصيدته الشهيرة “العامل المصري” قبل أكثر من سبعين سنة سيظل كما هو حتى الآن، إذ كان لزامًا عليه أن يكافح لسنوات من أجل الحصول على حقوق كان قد كفلها له قانون العمل وأهدرها النظام حتى بات السبيل أمامه هو الشارع واقفا على أبواب المسؤولين في الوزارات رافعًا صوته عسى أن يسمعه أحد.

فعلى الرغم من التغيير الشكلي الذي طرأ على مصر أعقاب 25 يناير 2011 إلا أن سياسات النظام الاقتصادية ظلت سيفا مسلطا على رقاب العمال والموظفين. وكانت سنة 2015 قد شهدت المئات من الاحتجاجات التي ضمت معظم الفئات من موظفين بالقطاع الإداري بالدولة وعمال مصانع وطلاب ثانوي وجامعات ومن حاملي الشهادات العليا وأطباء ومحامين وموظفين في هيئة قناة السويس.

وكانت مؤسسة “مؤشر الديمقراطية” قد رصدت الحراك العمالي في مصر خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2015 الذي وصل لحوالي 600 إضراب في ستة أشهر فقط على الرغم من تجريم التظاهرات والاحتجاجات وفقًا لقانون التظاهر. واتسمت معظم تلك الاحتجاجات بالطابع الاقتصادي المحض المتعلق بزيادة الأجور وتحسين فرص العمل. إلا أنه من اللافت للنظر دخول قطاعات أخرى إلى دائرة الاحتجاجات مثل المحامين والقضاء بمطالب سياسية بالدرجة الأولى منددين بالإهانات المتكررة التي يتعرض لها أعضاء النيابة والمحامون على يد رجال الشرطة كان أبرزها وفاة أحد المحامين أثناء احتجازه في قسم الشرطة نتيجة لتعرضه للتعذيب.

ورغم تصدي النظام لتلك الاحتجاجات بالقوة إلا أنها ظلت مستمرة بوتيرة متصاعدة وسط فشل الحكومة الإداري في تلبية مطالب المحتجين وقمع ممنهج من قوى الأمن إذ كان دائمًا يتم التعامل مع الاحتجاجات العمالية على أنها ملفات أمنية.

 

الحراك العمالي قبل 25 يناير 2011

وكان الحراك العمالي في مصر قد لعب دورًا بارزًا في الإطاحة بنظام مبارك سنة 2011 ولكنه لم يكن الوحيد إذ تلاقت المطالب السياسية التي تبنتها بعض الحركات الشعبية بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000 وحرب العراق سنة 2003 مع المطالب الاقتصادية للعمال المحتجين على سياسات الخصخصة التي انتهجها النظام المصري منذ النصف الآخر من التسعينيات لتصبح الاحتجاجات التي تضم فئات عريضة من الشعب مظهرًا يوميًّا في الشارع المصري.

فعلى الرغم من الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته مصر منذ التسعينات وارتفاع الاحتياطي الأجنبي في البنوك ولكن على الجانب الآخر ارتفعت معدلات البطالة وزادت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر حتى وصل إلى حوالي 40% من السكان وزادت الهوة بين الفقراء والأغنياء.

فالفترة من سنة 1998 إلى 2010 كان الشارع المصري قد شهد أكثر من 3400 وقفة احتجاجية شارك فيها أكثر من مليوني عامل لعل أبرزها كانت لموظفي الضرائب العقارية وعمال غزل المحلة سنة 2007-2008. واستطاع موظفو الضرائب العقارية “ليّ يد الحكومة” كما صرح وزير المالية وقتها “يوسف بطرس غالي” الذي رفض في البداية الإنصات إلى مطالب العمال قائلًا إن الحكومة “لا يمكن ليّ ذراعها” إلا أن إصرار العمال وتجمهرهم بالآلاف والتنسيق المستمر مع باقي عمال القطاع في مختلف المحافظات أجبر الحكومة على الانصياع لمطالبهم بعد تدخل مؤسسة الرئاسة مباشرة في إنهاء الازمة.

وفي نفس الفترة شهد قطاع عمال الغزل والنسيج في مصر احتجاجات عارمة في مدينة المحلة الكبرى قام فيها العمال المتظاهرون بإنزال وتكسير لوحة عملاقة للرئيس مبارك معلقة في الشارع الرئيسي للمدينة في إشارة رمزية لرفض النظام السياسي في مصر.

وكان النظام قد عمل على إحكام قبضته على الحركة العمالية في مصر منذ أكثر من ستين عامًا منذ قيام ثورة 1952 بتأميم النقابات العمالية وبناء اتحاد عمال مصر سنة 1959 خاضعًا بالكامل لسيطرة الدولة. وتم استخدم هذا الكيان العمالي بواسطة الحكومات المتعاقبة في مصر لكسر الاحتجاجات العمالية وضياع حقوق العمال.

وقد أدان اتحاد عمال مصر الكثير من الاعتصامات والإضرابات التي شهدتها الفترة قبيل ثورة 2011 ووضعت قيادات الاتحاد تحت رئاسة “حسين مجاور” العضو البارز في الحزب الوطني الديمقراطي نفسها في نفس خندق النظام. إلا أن مخاض الاحتجاجات العمالية المتصلة أدت إلى تكوين العديد من النقابات المستقلة خارج عباءة النظام الحاكم. وانتشرت ظاهرة النقابات المستقلة بشكل سريع في إشارة واضحة إلى رفض هيمنة النظام على الحركات العمالية ولا شك أن للنقابات المستقلة دور بارز في استمرار الحراك العمالي المستعر في الشارع المصري.

وعلى الرغم من استجابة الحكومة المصرية من آن لآخر لبعض مطالب العمال المحتجين إلا أن حمى الإضراب كانت قد انتشرت بين العمال والموظفين في مختلف قطاعات الدولة. وظل الشارع المصري في حالة غليان حتى وصلنا إلى مشهد يناير 2011 حيت تلاقت الحركات العمالية والطلابية والشعبية مع بعضها البعض مطالبين بتغيير النظام والإطاحة برئيس الدولة.

 

الحراك العمالي بعد 25 يناير 2011

على الرغم من أن الأجواء كانت مهيأة تمامًا لإحداث تغيير هيكلي في الدولة، إلا أنه لم يكن هناك نية من قبل المجلس العسكري أو التيارات المختلفة التي شاركت في الثورة للنظر إلى مطالب العمال، وتبنيها ضمن هيكل إصلاحي شامل للنظام، إذ تم التعامل معها جماهيريًّا أنها مطالب “فئوية” ليس وقتها الآن.

واستمرت المظاهرات العمالية في الشارع وانضمت إليها مظاهرات من قطاعات أخرى مثل الأطباء والصحفيين والمعلمين وجهاز الشرطة الذي استغل الزخم الثوري والحراك الشعبي لتحسين صورته لدى المواطن. وكانت صيحات أمناء الشرطة الذين قاموا بالاحتجاجات لتحسين ظروف عملهم وزيادة مرتبتهم هي “الشرطة والشعب يد واحدة” على غرار الصيحات التي سادت فترة الثورة “الجيش والشعب يد واحدة”.

وماطلت الحكومة المؤقتة في تنفيذ المطالب بحجة أن الوقت غير مناسب لمطالب “فئوية”، وساهم الإعلام الرسمي والخاص في تشويه الاحتجاجات العمالية واصفًا إياها بالاحتجاجات “الفئوية” التي تعطل “عجلة الإنتاج”. وعلى الرغم من الدور الفعال الذي قام به العمال في ثورة يناير إلا أنهم لم يستطيعوا بناء قاعدة شعبية وجاء تمثيلهم في أول برلمان بعد الثورة هزيلًا وفقًا للحصة المعمول بها للعمال والفلاحين في مجلس الشعب. ولم تكن الانتخابات الرئاسية 2012 أحسن حالًا إذ بالكاد حصل المرشح اليساري المدافع عن قضايا العمال “خالد علي” على 0.6% في أول جولة، بينما لم يحصل أبو العز الحريري على أكثر من 0.2% في الانتخابات.

حتى بعد تولي الإخوان المسلمين الرئاسة لم يتغير الوضع إذ قوبلت الاحتجاجات العمالية بمزيد من التجاهل بحجة أنها تعرقل “عجلة الإنتاج” وتسعى لإفشال الإخوان في الحكم. وواجه أنصار نظام الإخوان تهديدات العمال بالإضراب بحملة أطلقوا عليها حملة “شغلني مكانه” لإحلال العمال المعتصمين بآخرين.

ومع الإطاحة بنظام الإخوان في 30 يونيو وتولي رئيس المحكمة الدستورية “عدلي منصور” الفترة المؤقتة صدرت العديد من القوانين التي جرمت التظاهرات وضيقت الخناق على الحياة السياسية والاجتماعية بحجة مكافحة الإرهاب. كما عمل النظام بعد 30 يونيو على احتواء قيادات النقابات العمالية المستقلة حيث جاء تولي “كمال أبو عيطة” أحد رموز الحركة العمالية في مصر ومؤسس النقابة المستقلة للضرائب العقارية ورئيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة منصب وزير القوى العاملة سنة 2013 بمثابة ضربة موجعة للحركات العمالية. وجاء دستور 2014 ليلغي حصة الـ50% الإلزامية للعمال والفلاحين في مجلس الشعب.

ولكن مع الفشل الإداري للدولة في توفير الحد الأدنى من المطالب الجماهيرية، والتراجع عن تطبيق قانون الحد الأدنى والأقصى للأجور، وإغلاق العديد من المصانع وتسريح العمال، وإقرار قانون الخدمة المدنية الذي يضع العامل تحت سطوة صاحب العمل بشكل مباشر، بعد أن كان فصل أي عامل يتم بأمر قضائي، اكتسب الحراك العمالي بعدًا آخر في مواجهة الحكومة خصوصًا بعد زيادة القبضة الحديدية للدولة، ودخول حركات شعبية أخرى إلى خط المواجهة المباشرة مع النظام. فعلى الرغم من افتقاده للتنظيم والقيادة الموحدة، إلا أن استمرار الحراك العمالي رغم القمع، إنما يخلق حالة تراكمية من الغضب كفيلة بإبقاء جذوته مستعرةً.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد