إن كنت من هؤلاء الذين يتعاملون مع الواقع المصري فمن الطبيعي أن تكون قد واجهت في الطريق العديد من البسطاء الذين «إن شئت اعتبرتهم يعملون» في مهن غير منتجة. كهذا الذي يقف بجوار موقف السيارات يساعد السائقين على الركن أو في محطة البنزين يحمل قطعة من قماش ينظف بها زجاج سيارتهم. أو بائعة تحمل طفلها يومًا كاملًا حتى تتمكن من بيع بضعة أكياس من المناديل الورقية، وغالبًا ما دعوتها للعمل كمربية أو عاملة نظافة كنوع من التهكم على الوسيلة التي تتكسب منها. وآخر في الإشارات المرورية يحمل بعضًا من أعقاد الياسمين وتمتد يده داخل سيارتك ليعلقها في مرآتك ليجبرك على الشراء. حتى وإن دخلت أحد المطاعم الأنيقة التي تقدم الوجبات السريعة والتي من المفترض أن يقوم كل عميل بخدمة نفسه، فستجد من يقترب منك ليقوم بإحضار الطعام إلى طاولتك، وبعد أن تنتهي يسارع إليك للتخلص من الفضلات، وأنت لا يسعك إلا أن تتعايش مع هذه النماذج وتغدق عليهم بالمال لما يقدمونه لك من خدمات جليلة.

هناك حكمة شهيرة تقول: «لو قام جميع الأثرياء بتوزيع كامل ثرواتهم على الفقراء، فإن هؤلاء الفقراء لن يتحولوا إلى الثراء، ولكن سوف يزداد عددهم بعدد هؤلاء الأثرياء الساذجين الطيبين». إن النماذج الكثيرة التي لا حصر لها وتواجهنا يوميًا بصفة مستمرة دون أن نفهم قيمة ما يفعلون أو مدى إنتاجيتهم، بالرغم من أنهم يقضون ساعات طويلة في السعي والحركة كفيلة بتفسير ما أعنيه. فالفئات التي لا تعمل على الإطلاق يمثلون المعنى الحقيقي للبطالة، أما النماذج التي أشرت إليها فهي صورة أخرى من البطالة. أو كما يطلقون عليها بطالة مقنعة، والتي يبدو لوهلة أنها فئات عاملة، لكنها في الحقيقة ليس لها من تأثير يمثل أي قيمة.

لكن هناك أيضًا صورة أخرى غير منظمة من العمالة لا تقل ضررًا عن البطالة المقنعة قد لاحظتها عند متابعتي لبرنامج «باب الخلق» لمقدمه الإعلامي «محمود سعد» فهي تساهم مساهمة فعالة في تحويل المجتمع إلى فوضى وعشوائية، ومن منطلق  إنساني يعرض البرنامج بعض النماذج الكادحة التي تقوم بأعمال إنتاجية متواضعة وفى ظروف غير آدمية لتوفير دخل يكفي أو لا يكفي في أغلب الأحيان لتحمل نفقات المعيشة، منهم سيدة تجلس أمام الموقد البدائي ذي السعة القليلة في غرفة منزلها التي تفتقر لكل وسائل الأمان طيلة ساعات النهار لتقوم بعمل عدة أرغفة من الخبز  وتتحمل مشقة توزيع ما تنتجه يوميًا، ومع ذلك لا تتحصل على دخل يوفر لها أي حياة كريمة. وهذا رجل لديه أدوات عمل متهالكة يقوم العاملون لديه بالتعامل معها بجهد كبير لإنتاج العسل الأسود في أجواء ملوثة، ثم يتم تعبئة الإنتاج في صفائح صدئه ليتم توزيعها.

 وهؤلاء مجموعة من الشباب الجامعي الذي لديه استعداد للعمل لكنه فشل في الحصول على فرصة مناسبة، فقرر الوقوف في الطريق العام بعجلات وسيارات لبيع الأطعمة ليعوق نشاطه وعملاؤه حركة المرور ويزيد الاختناقات، هذا بالإضافة إلى تعرض مشروعاته للسرقة بصورة مستمرة، ومع ذلك يطالب ببعض التسهيلات والتراخيص الحكومية لتمكنه من ممارسة تلك المخالفات بصورة رسمية، إن ما تقوم به تلك النماذج لا يندرج تحت مسمى المشاريع الصغيرة، لكنه أقرب للفوضى والتخبط لأنه يفتقر لأبسط قواعد التخطيط والدراسة والأمن والسلامة ولا يحقق إنتاجية تذكر، ودون وعي يصر الإعلامي الكبير الناصري الهوى استعراض ما أسفرت عنه تلك الحقبة التي يمجدها، والتي لم يكفيها زيادة عدد الفقراء لكنها ساهمت في انهيار منظومة الاقتصاد الوطني.

إن ما تقوم به النماذج التي ذكرتها تعتبر في سوق العمل اليوم  طاقة مهدرة لا تقيم اقتصادًا ولا تحقق إنتاجية. وقد أدركت الدولة فشل سياسات الرئيس جمال عبد الناصر التي وضعت أسس راسخة لانهيار السوق فقامت بعمليات إحلال وتبديل بين مهام أصحاب المهارات اليدوية وتمكينهم من مناصب أصحاب المهارات الإدارية وقسمت الأراضي على الفلاحين، فبددت إنتاجية المحاصيل الزراعية وأممت المصانع والمؤسسات التي قام بإدارتها عسكريون غير ذي خبرة ومنحت الفرص المجانية للمعارف والأصدقاء دون أدنى منافسة أو مراعاة للمؤهل والمهارات، فكان من تداعياتها تدمير الاقتصاد وانخفاض قيمة العملة المحلية وزيادة معدلات الفقر وتحويل مصر إلى دولة مدينة بعد أن كانت دولة دائنة.

ثم بدأنا مرحلة تبني إصلاحات للعودة من جديد للنظام الرأس مالي لم تعرف الدولة منها إلا سياسات بيع القطاع العام ورفع الدعم وتحرير سعر  صرف العملة الأجنبية دون مراعاة باقي عوامل إنجاح السوق أو تأمين أوضاع العمالة في مصر  ورفع قيمة الحد الأدنى للأجور، وناهينا عن الركود الاقتصادي الذي ترتبت عليه سياسات أنصاف الحلول تلك فقد كان من تداعياتها أيًضا رفض العامل الوظائف المتاحة في القطاع الخاص إذ لم يجد فيها إنصافًا يعينه على نفقات المعيشة، وسانده المجتمع وشجعه على التسرب من سوق العمل عندما أغدق عليه الصدقات والتبرعات. إن رفع الحد الأدنى للدخل أصبح اليوم ضرورة يقتضيها النمو الاقتصادي إذ لا تزال رؤوس الأموال تشكو تمرد العمالة وتشكو العمالة تغول رؤوس الأموال.

فيجب على المجتمع اليوم أن يقف وقفة جادة للتصدي لموقف الدولة التي تتبنى قوانين تشجيع الاستثمار وتغفل أهمية قوانين تأمين الأيدي العاملة، وعلينا أن نستيقظ من غفوتنا وندرك أن مفهومنا للإنسانية لم يعد واقعيًا ولم يعد إنسانيًا، فالتعاطف والتبرع باليد والتململ والتأفف باللسان ليس من الإنسانية في شيء، وتشجيع العمالة على التسرب من سوق العمل ليس من الوطنية في شيء،  فلا أرى سبيلًا للترقى إلا باتخاذ الإيجابية منهجًا وتبني كل الوسائل الممكنة للضغط على الدولة لسن قوانين تكفل للعامل حقوقه، ليجد من جديد ما يجذبه للالتحاق بسوق العمل ونحفظ له كرامته من  إنسانية الفئات «الطيبة» التي تقر له العشوائية دينًا لإرضائه على حساب تدمير المجتمع وطاقته العاملة، إن الإنسانية التي أقرها هى حصول المواطن على دخله كحق أصيل له مقابل ما يقدمه من جهد في المنظومة الاقتصادية كيد منتجة، وليس ما تتعطف به فئات إن شاءت منحت وإن شاءت منعت، فارتقاء المجتمع  يتطلب رفع مستوى الفئات الفقيرة لا بإلقاء المزيد من الأعباء عليها وسحقها، كذلك النمو الاقتصادي يتطلب إعادة هيكلة للطاقات المهدرة ونمو وعي أصحاب رؤوس الأموال بأهمية تدريبها لتنمية مهاراتها لتحقيق أعلى إنتاجية وإعادة إصلاح المنظومة الاقتصادية لتتناسب مع متطلبات العصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد