تحكي الميثولوجيا اليونانية أن ديدالوس، وهو مخترع وبناء عظيم، بنى متاهة بأمر من الملك مينوس ليتم احتجاز وحش المينوتور بها، وبعد زمن غضب الملك على ديدالوس، وأمر بأن يُسجن مع ابنه إيكاروس في المتاهة التي بناها، ورغم أن ديدالوس هو الذي صمم المتاهة، إلا أنه كان من المستحيل عليه أن يعرف طريق الخروج منها، وبعد تفكير وجد أن الحل الوحيد للخروج من المتاهة هو الطيران، فقام ابنه إيكاروس بجمع الريش الذي وجده، وقام ديدالوس بصنع أجنحة والصق الريش بواسطة الشمع. كان عليهما الطيران حتى يخرجا من المتاهة، لكن الحماس دخل نفس إيكاروس ونسي نصيحة والده بالابتعاد عن الشمس، فهوى إيكاروس في البحر وغرق، بعد أن اذابت الشمس جناحيه.

يتكلم الجميع عن إيكاروس، ولكن لا يلتفت أحد لوالده الذي وصل سليمًا للناحية الأخرى من المتاهة، وحكى ما حدث لإيكاروس! الحماسة والخيال ليسا فيهما ما يسوء، لكن الجهد والتعب والإقدام وحدهم لن يصلوا بنا إلى الخروج من متاهات الحياة الكثيرة، فالوصول للحقيقة بمعارف سطحية، يعني الانهيار والضياع، وحتى الموت كما حدث مع إيكاروس.

أقوال كثيرة تصف جمال الحقيقة وقوتها، وما تمده من صلابة لأصحابها، فالحقيقة واضحة كالشمس، لا خلاف على أهميتها وعظمتها، لكن قلما يكلمنا أحد عن ألم الاقتراب منها، وهروب الفرح من قلوبنا، وانقلاب حياتنا رأسًا على عقب بعد معرفتها، وكيف أن حياتنا لا تعود كما كانت بنفس الطمأنينة التي ظننا أننا نعيش فيها، وأن تلك السكينة التي كنا منغمسين فيها، ما كانت إلا راحة الجهل، وكما قال إدواردو غاليانو 1940 – 2015: «على الجانب الآخر، هناك أبناء العهر الذين يميلون إلى تمزيق البشرية والحياة، يعيشون أعمارًا طويلة ولا يموتون؛ ذلك لأنهم لا يملكون غدة نادرة تسمى الوعي، والتي تقوم بتعذيبك على مر الليالي».

لكن يظل ذلك الثمن من العذاب، أفضل من العيش في أوهام تجر حياتنا إلى مزيد من الخسارة، لذلك أن نعي طبيعة الدنيا، ونتريث لفهمها والتعامل معها بواقعية، لننجو بأنفسنا من الوقوع في خضم من التساؤلات والأجوبة الساذجة، والتعامل بيوتوبيا للأمور، هو أفضل من إصرارنا النظر إلى النجوم والاهتداء بها في زمن لم يعد هناك من يرفع رأسه نحوها، لنجد أنفسنا وقد اهتدينا بأوهام في عقولنا، لم تكن موجودة قط، وننعي أنفسنا أن الحياة غير عادلة! ونتجاهل أننا لم نكن على القدر الكافي من معرفة التعامل معها، وأننا نتمسك بترهات تصور لنا الأمور بشكل غير حقيقي.

الحياة مليئة بالمعارك التي علينا مواجهتها، لذلك لا ينبغي أن نتصدى لها جميعًا دفعة واحدة، حتى لايصيبنا العجز والتعب دون الوصول لأهدافنا، أو أن نتوه في متاهات من المعارك التي كان من الممكن تجنبها، أو إرجائها، لنجنب أجسادنا وأرواحنا كثير من الطعنات والجروح، فعلينا التخطيط والتعلم والتمهل في مواجهة معاركنا، لا أن نفتح كل الأبواب دفعة واحدة، فنغرق بسبب الكثرة بالرغم من الشجاعة التي لن تنفع حينها، علينا أن نختار ما نستطيع مجابهته بالفعل حسب قدراتنا ومعارفنا، ثم ننتقل لما يليه من مواجهات، وقد يكون النصر في الانسحاب، ولا يعد ذلك جبنًا، كما قال المؤلف والمبشر الأمريكي نورمان فينسنت بيلي 1898- 1993: «السعادة في الحياة ليست بخوض جميع معاركها، فالانسحاب البارع هو في الحقيقة نصر مؤزر»، ذلك الانسحاب قد يكون مؤقتًا، حتى نُعد أنفسنا لما تحتاجه حتى الدخول لمزيد من المعارك مرة أخرى. أن نحلم بحياة عادلة من منظورنا الخاص تتسم بالهدوء والطمأنينة والشفافية، شيئًا مشروعًا لا غضاضة فيه، لكن لا نتخيل أننا سنصل لهذه الحياة الرغدة والطريق مفروش بالورود والرياحين، والحياة ليست سهلة بهذا القدر الذي تصوره لنا إعلانات المشروبات الغازية، بل عادة ما يكون الدرب صعبًا يحفل بالعديد من المشاكل، فعلينا أن نعد أنفسنا للمواجهة بالمعرفة وتقبل الحقيقة كما هي، وليس بأوهام قد تسقطنا في بحر من الرجاءات الخادعة، أو الدخول في متاهة من المواجهات التي لن تنتهي، لكن نحطم فيها أنفسنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد