لم أجد العبارة الشهيرة «حبلى بالثورة» مناسبة لوصف الحالة التي تعيشها البلدان العربية، أو منطقة الشرق الأوسط، منذ ما يقارب العشر سنين، فهي قد وضعت حملها ودفنته وحملت ثانية وثالثة، قد تكون هذه العبارة الأولى التي بدأت بها هي أيضًا غير مناسبة بل مضلّلة عن المقصد الذي ابتغيته وراء هذه السطور؛ لأنّي أسعى قدر الإمكان ألّا أقع في فخّ التذمّر، وابتذال الشكوى الذي قد يحيلنا إليه انفراط التعبير العاطفي، حتّى يجاوز مقصد الانضباط النقدي.

منذ بدأت الثورات العربية كان السؤال القائم لماذا قامت هذه الثورات؟ مع أنّه سؤال مشروع ومفيد، ولكنّه لن يساعدنا وحده في مجاوزة مظاهر تأزّم الواقع التي يلامسها كلّ مواطن، فمعايشة ولو عابرة وسطحية لما يلاقيه الإنسان في البلاد التي قامت فيها الثورات يجعلنا نطرح سؤالًا آخر: لماذا تأخّرت هذه الثورات حتّى هذه اللحظة؟ هذان السؤالان معًا يتيحان لنا من ناحية رصد أسباب الثورة في صلب الحياة اليومية للناس، وأيضًا إلقاء الضوء على المعيقات التي عملت وما زالت مستمرّة في السعي إلى ترسيخ الأنظمة القائمة.

الاغتراب والواقع المغرّب أصبح مناخًا طاردًا يستحيل الـتأقلم معه إلّا بثمن باهظ يدفعه الإنسان من حياته، ومن نفسه، وقد تتبعه آثار معاشرة هذه الظروف مدّة ليست بالقصيرة، بعد أن يتخلّص من مسبباتها.

راج مصطلح الاغتراب بعد أن استعمله «ماركس» لوصف وتحليل الحالة التي يعيشها الإنسان العامل في البنى الرأسمالية، رغم أنّ المصطلح يرجع قبله إلى استعمالات أخرى عند «هيجل وفيورباخ»،لكن«ماركس» نقل مفهوم الاغتراب من قضايا الدين والميتافيزيقا إلى مجال الاقتصاد السياسي؛ ليعطيه بعدًا واقعيًّا -ماديًّا بالنسبة لماركس- ومن ثَمَّ تلقّفه العلماء في قطاعات واسعة من علم الاجتماع وعلم النفس والسياسة، وسلك مسالك عدّة في تيارات فكرية مختلفة، نجده حاضرًا عند «كيركجارد،وفرويد،وهيدجر،وماركيوز»؛ لذلك يصعب تفصيل دلالات الاغتراب عند كل هؤلاء وغيرهم، وليس لي غرض في ذلك.

ما أقصده هنا من مفهوم الاغتراب: هو العجز وحالة الانفعال التي تطبع حياة الإنسان إزاء القوى التسلطية التي تتحكّم في حياته ومصيره وتمنعه من الفعل. فالاغتراب ليس إلّا الوجه الآخر للاستبداد الذي يهيمن على مظاهر الحياة، مع طول المدّة واستمرار الأنظمة المتكلّسة في إعادة إنتاج نفس الخطاب القهري، يتّسع الشعور بالاغتراب ليحتلّ مجالًا واسعًا، ويحتكر حياة الفرد والمجتمع بكلّ تفاصيلها، وتزداد وطأته إلى درجة خانقة، تحول دون استمرار الحياة بشكل طبيعي.

ونظرًا إلى رجوع الاغتراب إلى واقع موضوعي متجذّر في البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، فإنّ البدائل المتاحة للإنسان المغترب لتغيير الشروط الموضوعية التي تؤثّر على حياته تكون صعبة جدًّا، أوتخرج عن طاقاته بما يفضي به إلى اختيار مسارات جانبية تتراوح بين العزلة واللامبالاة، أو الهجرة، أو إيجاد سبيل معيّن للتكيّف مع الواقع سواء كان هذا التكيف ظاهريًا فقط أي لا يزال صاحبه يخبّئ نزعة الرفض في داخله، وبذلك يعيش حالة ازدواجية مؤلمة تكون لها هي أيضًا ضريبتها من شعور عميق بالذنب، وتبكيت للذات، أو يكون التكيّف كاملًا؛ وهنا تكون حالة التبلّد العاطفي والفكري الذي يجعل من الفرد آلة فقدت مقوّمات الشخصية الإنسانية.

لا يمسّ الاغتراب شريحة معيّنة فقط من المجتمع أو حالات فردية بمواصفات خاصّة، فالمجتمع بِأَسْرِهِ مغترب عن واقعه، لا يساهم في واقعه إلّا الموافقة أو التذمّر الذي يعمّق شعوره باللاإنسانية للوضع الذي يعيش فيه.

مصادر الاغتراب

1.الدولة

في الدول الديمقراطية حصرًا يجري التفريق بين مصطلحي الدولة والسلطة بتمييز الدولة أنّها: كيان محايد -وإن لم تعد هذه النظرة ذات ترحيب عند كثير من المفكرين والأكاديميين- ولكنّها على الأقل تتصف بالثبات. أمّا السلطة: فهي المكانة التي يتنافس عليها الفاعلون السياسيون، والتي تسمح لهم بتنفيذ مشاريعهم في إطار التحكّم الذي يسمح لهم به القانون خلال مدّة محدّدة؛ إذ حتّى الفوز برئاسة الدولة أو جزء من السلطة التشريعية في البلاد لا يعطي لأحد الحقّ في السيطرة على جميع أركان الدولة بسبب استقرار مبدأ الفصل بين السلطات، والتداول على السلطة.

على العكس تمامًا في الدول الديكتاتورية بكافّة أنواعها فإنّ الحاكم ينظر إلى نفسه على أنّه هو الدولة، وأيّ سعي إلى تغيير السلطة هو مساس باستقرار الدولة، وأمنها المقترن ببقاء الحاكم. هذه الفكرة يمكنها أن تشكّل مدخلًا سهلًا، وذا قدرة توضيحية لشكل العلاقة بين السلطة والشعب في ظلّ الاستبداد، والتي يمكننا تلخيصها في معنيين (القهر، والهدر) فهما المعنيان اللذان ننتهي إليهما في تحليل الاغتراب.

إذا أردنا أن نفهم جذور العلاقات القهرية في المجتمعات التي خضعت للاستعمار الحديث يجب أن تمتدّ نظرتنا إلى ما قبل الاستقلال؛ لم يكن الاستعمار مجرّد استحواذ على الأرض، بل كان أيضًا ترسيمًا لنوع من العلاقة القائمة على القهر والرضوخ، ولم تقم النخب الحاكمة في الدولة ما بعد الاستعمار سوى بتمديد نفس التراتبية القمعية من طرف حاكم محلّي، كما كان أيضًا -أي الاستعمار- عملية أنتجت خطابًا عن الذات المستعمَرة، خطابًا يتّسم بالتحقير والدونية، ونظرًا للعجز الذي كان يثقل تلك الشعوب فلم تستطع -بعد تحرير أراضيها- الخروج من المساحة التي رسمها لها المستعمر؛ فتماهت بأحكام المتسلّط الذي عانت منه لفترات طويلة، في كلتا الحالتين لم يكن الشعب سوى رعايا، أو كتل بشرية تتطلّب إطعامها والإنفاق عليها، فهي دائمًا عائق، وليست فاعلًا إيجابيًّا في واقعها. وقد كانت التبصّرات التي قدّمها «فرانز فانون» بخصوص شكل السلطة في الدول ما بعد الاستعمارية فائقة الدّقة، وصدقت بشكل كبير على الجزائر بعد الاستعمار، رغم أنّه لم يستمر في الحياة إلى أن يراه.

الاستبداد من حيث التعريف يرفض المشاركة ويعني الاستئثار بالسلطة في يد شخص أو مجموعة ضيّقة تربطها العصبيات وروابط المصلحة الشخصية، يلازم ذلك في أغلب الأحيان تغوّل الدولة وتضخّمها على حساب المجتمع، والتضييق على كلّ نشاط فردي أو جماعي يهدف إلى المشاركة في الحياة العامة حتّى ولو لم يكن يسعى إلى امتلاك السلطة هو بنفسه، بل فقط يريد تحسين الشروط الموضوعية لحياته، وإحداث تغيير في علاقته مع السلطة بوصفه مواطنًا له حقّ المشاركة والتعبير؛ فالمجتمع بأسره مهمّش وغريب عن مساحة الفعل في حياته، وحتّى المجال الخاص لا يصبح فضاءً للحريّة نتيجة لاستخدام آليات الضبط الذاتي ليصبح الفرد نفسه والمجتمع مساهمًا في واقعه المغرّب.

ونظرًا لاقتصار اهتمام السلطة الحاكمة فقط على إبقاء السلطة في يدها، وتأصيل حكمها إلى أقصى مدّة ممكنة فإنّ استغلال الإمكانات المتاحة لدى المواطنين وخاصّة الشباب، وإنشاء أجيال متعلّمة قادرة على المساهمة في تطوير أوطانها ليس أولوية لدى الدولة، بل وحتّى قد يعتبر من منطقها مضرًّا لأنّه يشكّل تهديدًا على استدامة البنى التسلّطية؛ يُمكّننا هذا الربط بين دور الدولة الاستبدادي الذي يلغي كلّ ما عداه، وحالة الهامشية التي يعيشها الفرد والمجتمع من فَهم أفضل لظاهرة ضعف التعليم والإنتاجية بشكل عام في البلدان المتخلّفة. فالمؤسسات التعليمية من الحضانة إلى الجامعة هي فقط مسارات للتغييب الممنهج للمجتمع من أجل عدم الاشتباك مع قضايا حياته، وحشره في هامش البطالة واللافاعلية. يعبّر الأستاذ والفيلسوف «فتحي المسكيني» عن واقع الجامعات في البلدان العربية بقوله: «إنّنا ندرّب الناس على تضييع أعمارهم».

2.الدين

البنى التسلّطية التي تسبب حالة الاغتراب لا تستقرّ فقط عن طريق الأجهزة القمعية؛ لأنّها مهما تكن قدرتها على الضبط، ووحشيتها في القمع فهي لن تقدر على الهيمنة التامّة على المجتمع إلّا بوسائل أكثر نعومة تساعدها في إنتاج المواطن المطيع، يمثّل الدين إحدى البنى الفوقية التي تعبّر عن شكل البناء الاجتماعي والاقتصادي القائم؛ لأنّه يمتلك قدرة تحكّم عالية بالإضافة إلى امتلاكه خاصية مميّزة، فهو يعمل بآلية الضبط الداخلي التي تعمل بصفتها شكلًا من أشكال الخصاء الفكري،الذي يمنع التفكير الناقد والتساؤل عن الأسباب والغايات، حتّى عندما لا يقع رجال الدين في التبرير المباشر لأفعال السلطة فخطابهم يبقى تزييفًا للوعي الذي يعمل بشكل لا تاريخي، ويحيل الإنسان إلى خلاص أُخْرَوِيّ، فهو لا يعد بالحياة، ولكنه يعد بالجنّة التي لا تتعدّى كونها رمزية للموت، فيمكننا القول إنّه يعدنا فقط بالموت، والقيم المحافظة التي يعمل على نشرها، المتمركزة حول نمط حياة سابق يقع ضمن براديغم آخر غير الذي نعيشه، هذه القيم هي أيضًا لا تشجّع على التغيير والتطور الفكري الذي قد يضطرّ في كثير من الأحيان إلى القطيعة مع ما قبله.

  1. المجتمع

نتيجة للرضوخ الطويل للقهر، والتسلّط، وهيمنة الدين يصبح المجتمع نفسه سببًا من أسباب التغريب الرئيسية لأفراده؛ فيتماهى بأحكام المتسلّط وأفعاله، وتمارس أجهزته وأعضاؤه نفس القهر على من دونهم؛ المجتمع هو سلطة الأب، يعمل على ضبط أفراده، وإدخالهم في دائرة الطاعة المطلقة لقيمه البطريركية، وتشيع فيه حالة غياب المعايير الأخلاقية، وتحلّ محلّها التقاليد والأعراف الفوضوية التي تشجّع على المزيد من الاستغلال الظالم الذي يقع خاصّة على المرأة بوصفها العنصر الأضعف في المجتمع، فهي ليست ممنوعة فقط من المشاركة في الحياة العامّة بشكل طبيعي، ودون أن تتعرّض لانتهاكات حقوقية ونظرة تحقيرية، بل يمتدّ الاغتراب إلى وجودها الخاصّ؛ فالمرأة في المجتمع العربي حسب تعبير الناقدة الأدبية «خالدة سعيد»: «هي كائن بغيره لا بذاته فهي دائمًا ابنة فلان أو زوجة فلان أو أمّ فلان أو أخته… إنّها النموذج المثالي للاغتراب» (بركات، 2006، ص119-120)

تفتّق السطور السابقة في أذهاننا سؤالًا ملّحًا عن طريقة تغيير واقعنا، وقد كانت الثورات العربية وما زالت -حتّى بعد كلّ ما حصل- مسارًا مهمًّا في التغيير، والأحداث المتتابعة تثبت أن الثورة ما زالت أفقًا ممكنًا نسعى فيه إلى بلورة رؤانا للحياة التي نريدها، ولكنّها تحتاج إلى الخروج من الأطر القديمة، وأن تسلك مسالك نضالية مختلفة حسب تعدّد أشكال التسلّط التي تثقل كاهل وجودها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات