كيف وجدت العاصمة بني؟

كأن التكرار أنهك العابثين، وأخمد شعلة حماسهم، وأفقدهم روح المبادرة، وهزم دوامة الشيء المعتاد التي بدورها ملت تصدر الترتيب، وتفاهة النقاد الماكثين خلف شاشات حاسباتهم، بدوي في العاصمة … رائحة المرقاز 1 تطغى على امتداد باب عليوة 2 وما جاوره، المارة كثروا، كل في همومه ينعم، موظف البنك ببدلته الأنيقة وحذائه الذي اكتسب لمعة سرعان ما عبثت بها أتربة رصيف المحطة، هذا الشيخ يسأل رواد باب عليوة عن حافلة زغوان 3، وذاك طالب يترقب المترو.

يجمعهم باب عليوة ورائحة المرقاز وتفرقهم مشاغل الحياة، سنتان من انقطاعي عن العاصمة لا جديد يذكر سوى تفاقم أعداد عصابات الشحت، وتطور أساليب الخداع والتحايل، في طريقي إلى أحد الأحياء العاصمية مررت بتونس العجوز باب جديد 4، باب سعدون 5، القصبة 6، ما يسوق عن هذه الأماكن كونها حاضنة للأصالة وبوتقة للمثالية.

 لقد أضحت معالم قيم متدهورة، تونس الرثة أصبحت مرتعًا للصعاليك والمتسكعين، تونس الرثة ليست إلا تونس السكرانة التي حادت عن منظومة الأخلاق والمثالية وانخرطت في سياسة تغييب الوعي المشترك، يخيم السكون الغامض ساعة المغربية، أزمة الثقة تعمقت، المترو خاو، من يركب كتلة الحديد تلك المارة بالرمانة 7 بعد أن أسدل الليل ستاره؟ لم يعد للعاصمة روح، هنا جدران الجامعات ونوافذ إقامات الطلبة تروي قصص البسطاء الحالمين الواقعين فريسة العاصمة المرهقة، الساعة تشير إلى العاشرة، حان وقت الراحة بعد رحلة طويلة بإحدى حافلات المناطق المنسية.

هنا ساحة الاستقلال، التاسعة صباحًا، الشارع الرمز، كنيسة القديس فانسون دي بول8، أو كاتدرائية العاصمة، تونس لافيني9، ليست تونس باب عليوة، دبيب حثيث، الأمن مستتب، المقاهي تعج بروادها، رواد لافيني، جد أوفياء لجريدة الصحافة، بدأت السعي بين تمثال بورقيبة ممتطيًا حصانه، وقد أحيط بالعناية وزين برخام القصرين 10، ليس بعيدًا عن مكان انتصاب بورقيبة يقف شيخ بعمامته حاملًا كتابه، وقد بان عليه الإرهاق، احتفت به طيور لافيني المتفرنسة بشيء من فضلاتها، تراه منتصبًا تؤنس وحدته قصص العاشقين وعبث المنتشين بعد جلسة بإحدى حانات نهج مرسيليا، ساعة لافيني تشير إلى الثانية بعد الزوال المطلوب الآن قهوة أعيد بها تقيم عروض قدمت للطلبة بإحدى فنادق العاصمة، باب بحر 11 وقد احتلته عربات الفريڤيلوا 12، وعصابات التحيل التي تجبرك بالغصب والإكراه على اقتناء شريحة هاتف تحت مسمى الفرصة، هذا بومنديل 13، بكين، تونس، هنا تكتشف الحقيقة وأن صور لافيني وشخوصه لم تكن إلا بروتوكولاً معمولًا به، في هذا السوق يجد المواطن حاجته ويجد البائع زبائنه وتجد الشرطة البلدية فريستها وتمضي أيام بومنديل بين كر وفر والحرب بينهم سجال، هنا باب بنات 14، باعة البلاستيك في كل مكان، جلست أنتظر الــ78 أتفحص المارة باحثًا عن تونس المفقودة التي لم أجد في يومي الثاني بها إلا تونس السكرانة.

1: لحم مفروم

2,4,5,11,14: أبواب هي مداخل إلى تونس العاصمة عبر سورها التاريخي.

3: مدينة تونسية حيث يوجد معلم معبد المياه كانت تزود تونس العاصمة بالمياه العذبة عبر لحنايا.

6: هي ساحة تاريخية أصبحت رمزًا للثورة.

7: أحد أحياء تونس العاصمة.

8: قديس الكنيسة الكاتدرائية بتونس.

9: شارع الحبيب بورقيبة بتونس.

10: مدينة تقع في الوسط الغربي التونسي.

12: المثلجات.

13: سوق شعبي وسط العاصمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد