ينقسم الناس في هذا العالم إلى قسمين لا ثالث لهما؛ قسمٌ قد ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، يتوفّر لديه كل ما يحتاج إليه، بدءًا من الحصول على أفضل تعليمٍ في أفضل المدارس المحليّة، لينتقل بعدها إلى نخبة الجامعات العالميّة ليجد بعدها وظيفته التي أمّنها له والده تنتظره ليكمّل ما بدأت به عائلته أو يبدأ مشروعه الخاص الذي لن يكلّفه الكثير إن خسره فهناك الكثير من البدائل. أمّا القسم الآخر، فهو قسمٌ قد ولد وهو يشاهد مشقّة والديه ليعلماه ويدرّساه وليوصلاه إلى أفضل المراكز، ولد هذا القسم وهو يعرف معنى المشقّة والمحاولة للوصول إلى الهدف وهو أدرى الناس بمعنى التعب، فكثيرة هي الليالي التي كان يشاهد فيها والده يعود متعبًا في الليل بعد انتهائه من عمله الثاني ليكون قادرًا على أن يؤمّن لهم حياة كريمة يستطيعون من خلالها الوصول إلى مستقبلهم، ليجدّفوا بعدها بأيديهم إلى برّ الأمان بعد الانتهاء من دراستهم من خلال وظيفة كريمة على قدر حالهم.

لأننا في مجتمعاتٍ عربيّة متوسطة الحال، غالبيتنا عشنا تحت تربية القسم الثاني، ذلك القسم الذي يعلم أنّ الغاية لا تأتي إلا بعد الاجتهاد، وأنّ السعي والطموح هم غذاء ودواء هذه الطبقة من المجتمع، وهذا الحال لم يتغيّر من جيلٍ بعد جيل، إنّما أثره وطريقة نقله اختلفت من الآباء إلى الأبناء.

لا يختلف جيلنا عن جيل آبائنا وأمهاتنا، فقد عشنا ونحن نرى التعب في عيونهم، كبرنا بعد أن انحنت ظهور أمهاتنا وبعد أن جفّ عرق آبائنا وفهمنا التعب والمشقة، ولكن لماذا كبرنا ونحن نختلف عنهم؟ لماذا كبرنا فاقدين للطموح معتمدين على غيرنا مثبطين ولم نطبّق ما كبرنا ونحن نرى أهلنا عليه؟ لم وصل الشباب اليوم إلى هذه الحال من الكسل وعدم السعي، بالرغم من تشابه الماضي بالحاضر؟

الانهزام الداخلي

لا تختلف الأزمان بعضها عن بعض، فالحروب كانت سابقًا كما هي الآن، ولكن التضييق على المواطن العربيّ لم يشمل فقط وطنه، بل مع مرور الوقت قد تعدّى الأمر ليصل إلى روحه الشابّة وإلى أحلامه اليافعة ليحطمها؛ مما يؤدي به إلى حالةٍ من الانهزام الداخلي التي تجعله واقفًا من دون أي حراك، تقنعه أن لا فائدة من تطوّره وسعيه لتحسين نفسه فإن كل شيء إلى زوال كما هي أوطانه.

إضافةً إلى أن بعض المجتمعات لا توفر البيئة التشجيعية لشبابها لتحفيز أعمالهم الإبداعيّة، فكم مرة رأينا مخترعًا شابًا قد همشت أعماله، وكم رأينا من موهوبٍ لم يتم تسليط الضوء على ابتكاراته، وكأنّ المجتمعات العربية تحمل بيدها مطرقةً كبيرة تضرب بها كل رأسٍ يحمل فكرة تميّزه عن غيره وتؤدي به إلى التطور والتغيير.

تربية الأهل والفجوة بين الماضي والحاضر

لا ننكر أن الزمن الماضي كان يحتوي على الكثير من الصعوبات والتحديات التي تفوق قدرة أهلنا، ولكنهم بالرغم من هذا قد استطاعوا تجاوزها والوصول بنا إلى هذا اليوم، وبسبب ما مرّوا به فإنهم يسعون لإبعادنا عن المشاق التي عبروا من خلالها، فطيبتهم وحرصهم الزائد أدى إلى ظهور جيلٍ اتّكاليّ يعتمد في إنجاز أموره على أهله، فتفشّى الكسل كمرضٍ قاتل مثبّط للعزيمة.

على الأهل أن يحمّلوا أطفالهم المسؤولية والجديّة في اتخاذ القرار، فما فائدة أن يختار لنا أهلنا تخصصاتنا وأن يحدّدوا لنا مجال عملنا المستقبلي وحتى زواجنا، بهذا كلّه يفقد الطفل ثقته بنفسه، فمهما كبر يكبر باعتماد طفوليّ على أهله، فاقدًا لطموحه الذي هو الوقود الأساسي لإبداعه.

التكنولوجيا والفهم الخاطئ لفوائدها

ظهر نوع جديد يمشي حذو الاعتماديّة التي تربت عليها الأجيال الجديدة ليعزز لديهم مدى جمال الشعور بالراحة والجلوس أمام شاشة الهاتف لساعات وساعات دون أي شعورٍ بالذنب لضياع أعمارهم من دون أي إنجازٍ أو فعلٍ يعود عليهم بالنفع.

بتنا كشباب دمىً تتحكم بنا كبرى الشركات بما يناسب هواها، يجذبوننا للمحتوى الرقميّ والترفيهيّ الذي يقدّمونه فيحصلون من خلالنا على الملايين، بينما نحن لا نزال جالسين ننتظر ما يقدّمونه لنا دون أن نقدم شيئًا لأنفسنا.

لا أظن أن هنالك جوابًا محددًا للسؤال الذي طرح في بداية المقال، نعم هناك مسببات كثيرة لأن نكون شبابًا غير طموحين، ولكن علينا أن نلوم أنفسنا ونسألها لم تركنا العالم وتركنا كسلنا وضعفنا يوجهوننا كما يريدون هم؟ أليس علينا كشبابٍ أن نكون أوعى على مصلحتنا وأن نفهم أن المستقبل غير آمنٍ كي نضيّع حاضرنا بأيدينا؟ إلى متى سنبقى نجرّ أنفسنا وأوطاننا إلى السّراب؟ فإن انتكسنا انتكست أوطاننا.

وعلينا أن نبقي في أذهاننا أنّ هذه الحياة ما هي إلا حياةٌ واحدة، فلم نعيشها كأشخاصٍ عاديين؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبْدٍ يوْم الْقيامة، حتّى يسْأل عنْ أرْبع خصالٍ: عنْ عمره فيما أفْناه؟ وعنْ شبابه فيما أبْلاه؟ وعنْ ماله منْ أيْن اكْتسبه وفيما أنْفقه؟ وعنْ علمه ماذا عمل فيه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد