يقال في الوطن العربي إن سمعة الفتاة ما إن تلطخ لن تتزوج طوال حياتها، وسوف تبقى «عانسًا»، كذلك الأمر ينطبق على أي مؤسسة إعلامية سواء أكانت مسموعة أم مرئية، أم مكتوبة، ما إن تفقد مصداقيتها حتى تصبح مؤسسة إعلامية «معيوبة»، إذ إن مصداقية أي مؤسسة إعلامية مثل سمعة أي بنت عربية، إذا ما لطخت فإنه من الصعب إعادة تبييض سمعتها من جديد.

مجلة دير شبيغل الألمانية التي تعد من أكثر وسائل الإعلام انتشارًا في ألمانيا خصصت صفحتها الأولى للاعتذار عن اختلاق أحد أبرز صحفيها قصصًا تضمنت تلفيق أخبار عن الأحداث الجارية في سوريا، خصوصًا أن الصحفي «كلاس ريلوتيوس» الذي اعترف بفبركة مقابلات لم تحدث أبدًا وقد سوقها ضمن بعض المواد كان قد تلقى جائزة عن مقال ملفق حول الأحداث في سوريا، مما دفع مجلة دير شبيغل للاعتذار، وتعهدت «بالقيام بكل شيء لتعزى مصداقيتها مجددًا» رغم اعتذار مجلة دير شبيغل العريقة عن عدم مصداقية مراسلها وإقالته، فإن ذلك سوف يؤدي إلى هز مصداقيتها عند قرائها، وبالتالي يؤدي إلى خفض قيمتها عند قرائها.

فقيمة أي وسيلة إعلامية تكون بمصداقيتها. مصداقية أي وسيلة إعلامية هي رأس مالها الفعلي، فبعض الوسائل الإعلامية لا تهتم بقيمة المصداقية بقدر اهتمامها بنشر الأخبار المثيرة والغريبة، وتحقيق السبق الصحفي مما يؤدي في نهاية الأمر إلى نفور جمهور هذه الوسيلة الإعلامية عنها؛ لمعرفتهم أن أخبار هذه الوسيلة مجرد ترهات لا وزن لها في ميزان المصداقية.

تعد القيم الأخلاقية مثل «القرب المكاني والزماني والآنية والغرابة… إلخ» التي يجب أن يتوافر بعضها أو جميعها في أي خبر ينشر على أي وسيلة إعلامية أمرًا مهمًّا، لكن تبقى قيمة المصداقية بمثابة حجر الأساس في أي خبر ما إن تسقط قيمة المصداقية في أي خبر حتى تسقط باقي القيم الإخبارية تباعًا، فعندما تقتلع الجذور لا يبقى للغصن أي قيمة في الشجرة، كذلك الأمر عندما تلغى قيمة المصداقية في أي خبر، يسقط الخبر حتى لو كانت جميع القيم الإخبارية متوفرة فيه.

يقول المثل الشعبي «لسانك حصانك إن صنته صانك»، هذا المثل يقال عن الأشخاص فكيف إذن بمؤسسات إعلامية لا تستطيع أن تصون أخبارها، وتنشر ترهات لا قيمة لها، وتتساءل لماذا نسبة المشاهدة لبرامجها ونشرات أخبارها منخفضة. الجواب بسيط: لا أحد يحب الاستماع إلى الترهات والأكاذيب.

استخدام التضليل، والأخبار الغريبة، والظواهر الخيالية، واللف والدوران، في أي مؤسسة إعلامية بهدف تحقيق نسبة متابعة عالية، يدفعها إلى غض الطرف عن قيمة المصداقية كما فعل مراسل في اليابان، إذ أراد أن يوثق كيف يحدث الغطاسون أضرارًا في المرجان بأوكناوا. وإذا لم ينل مبتغاه، ألحق هو بنفسه الضرر ببعض المرجان، ثم التقط صورًا له ونشر هذه الصور مدعيًا أن سبب الأضرار في المرجان هم الغطاسون.

عندما تغيب المصداقية تبدأ الأخبار الكاذبة، تنتشر كالأمراض الخبيثة، تهاجم العقول وتعبث بها، فالمصداقية هي العلاج الوحيد لكل الأخبار الكاذبة، فهي التي تفصل بين الخبر الكاذب والخبر الصحيح. وعندما تغيب المصداقية تلوى أعناق الحقائق وتتساوى المعلومات المؤكدة بالخرافات والأقاويل من حيث الأهمية، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى نشر موضوعات مبنية بالكامل على مجرد تخيلات الكاتب، الأخبار الغريبة المدهشة غير الحقيقية تجتذب جمهورًا، وتحقق نسب متابعة عالية في بادئ الأمر، لكن عندما يعلم الجمهور بكذب هذه الأخبار تصيبه حالة نفور؛ وبالتالي تنخفض نسب المتابعة انخفاضًا حادًا. المصداقية هي قلب الخبر النابض، فإن ماتت سقط الخبر، حتى ولو قاله شيخ الحرم في مكة، أو بابا الفاتيكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد