قبل أن يصدح الشعب السوري بمطالبه في عام 2011، كان الصمت وحده وسيلة اعتراض هذا الشعب، فقد كانت سوريا صامتة من جهة الحديث عن سياسات حزب البعث القومي السوري، وسيطرة نظام الأسد الأب والابن على سوريا، والتي تمثلت بالقبضة الأمنية، والترهيب الوحشي، والإصلاحات السياسية والاقتصادية المحدودة، كما قمعت في ذلك الوقت بنجاح كل أشكال المعارضة والتعدد السياسي، وأخمدت عدة محاولات للانتفاض السلمي والمسلح في البلاد.

لكن عندما جاء عام 2011، وخرجت جموع من الشعب السوري للمطالبة ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية، في ما كان يبدو انتفاضة أو بداية ثورة لميلاد جديد محتمل لسوريا التي عانت طويلًا من البطش والقمع، تحول كل ذلك إلى المشهد الفوضوي العبثي الذي نراه اليوم، وهو لم يكن بالتأكيد ما أرادته جموع الشعب التي خرجت، فمع مرور السنوات تحول الصراع في سوريا بمساهمة كل من النظام السوري والمعارضة إلى نزاع يقوم على أسس طائفية (التطرف)، وهي اللعبة التي لطالما لعبتها الأنظمة العربية على تعاقبها، إذ أدرك النظام السوري جيدًا أن بقاءه يعتمد بالقدر الأكبر على إثبات أنه الدرع الوحيد القادر على مواجهة صعود الإسلاميين المتطرفين، أو الوقوع في الفوضى الشاملة، وأن مصالح الغرب ستتضرر كثيرًا بسقوطه، وأنه المخلص والمنقذ الوحيد لسوريا من سقوطها في هوة هذا التطرف، لا سيما بعد اضطرار الدول الغربية للإقرار بوجود مشكلة إرهاب تكفيري في سوريا، والتي لم يعد بالوسع إنكارها بعدما طالت شظاياها مدن الغرب وعواصمه.

لكن التوازنات الدولية في مجلس الأمن جعلت من بعض الإرهابيين الدمويين والتكفيريين معارضة معتدلة، وذلك لتبرير صلاتها معهم وتغطيتهم سياسيًّا، فالإيحاء دوليًّا بوجود مثل تلك الفروق المزعومة بين فصائل الإرهابيين التكفيريين لا يعدو كونه تعبيرًا عن ميزان قوى عالمي مختل، ما برح يميل لمصلحة طرف على حساب طرف آخر، وذلك اعتمادًا على سير المعارك على الأرض السورية، فها هي فلول داعش شرق سوريا تحت الحماية الأمريكية، كما أن جبهة النصرة والفصائل المنبثقة عنها يتم تغذيتها ماليًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا من قبل تركيا وبعض دول الخليج، وأصبح بذلك الإرهابي الذي يحتل ويقصف المدن ويمنع أهلها من الخروج عبر الممرات الآمنة هو الضحية في كثير من الأحيان، وذلك حسب تقاطع المصالح.

لا فرق جوهريًّا بين النصرة وداعش والفصائل التكفيرية الأخرى مثل جيش الإسلام وفيلق الرحمن وأحرار الشام وفجر الأمة وغيرها من مسميات المجموعات الإرهابية في سوريا، كما أن الصراعات المحمومة والتناحر المدمر بين تلك الفصائل لا يغيران من حقيقة ذلك الواقع شيئًا، وإن وجدت فروق في ما بينها، فهي فروق في الدرجة لا النوع، فكلها فروع منبثقة من صلب الفكر الوهابي التكفيري الإقصائي.

كل الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة السورية وتحاربها، هي إرهابية تكفيرية بامتياز أيًّا كان الطرف الداعم لها، كما أن المناطق التي تحت قبضة ما يسمى بالمعارضة المسلحة مثل (الغوطة الشرقية)، يسيطر عليها هؤلاء بقوة الإرهاب الوحشي ويتخذون من أهلها دروعًا بشرية، ويمنعون أهلها من الخروج عبر الممرات الآمنة، ودليل ذلك فرض الفصائل المسلحة هناك حظرًا على مغادرة المدنيين طوال فترة القصف والمعارك إلا بعد الوساطات والمصالحات، كما حصل مع آلاف المواطنين في الغوطة الشرقية وغيرها من المناطق منذ بداية سيطرة العصابات المسلحة عليها، إضافة إلى ما تمارسه هذه الجماعات التكفيرية الإرهابية من ألوان الإقصاء والضغط على المدنيين عند وقوع المساعدات الإنسانية بأيديها، وذلك من خلال المتاجرة فيها وحجبها عمن تشاء لتمارس ابتزازها.

لهذا فإن الخطاب الإنساني في سوريا غير محايد على الإطلاق، بل هو خطاب مسيس وذو أجندة مبيتة، وذلك لأنه يسعى لتأسيس ما يسمى بحق التدخل بذرائع إنسانية من قبل الدول الغربية وأتباعها وأدواتها على الأرض السورية، وذلك ضمن برنامج لتفكيك الدول المركزية المستقلة وشرذمتها، أسوة بما جرى في يوغوسلافيا في التسعينيات، وفي ليبيا والعراق والسودان وغيرها من الدول.

أما قضية قتل المدنيين من قبل قوات النظام وحلفائه في منطقة الغوطة الشرقية الآن وقبلها حلب، فهي صحيحة ولا تحتاج إلى إثبات، فالطائرات الحربية الروسية والسورية لم تتوقف عن شن غارات يومية للقضاء على الإرهابيين الذين يقصفون مدينة دمشق وأهلها، ومن الطبيعي أن تسفر هذه الغارات عن سقوط العشرات وربما المئات من المدنيين؛ لأنه ومنذ البداية فإن الجانبين السوري والروسي مصممان على اءستعادة الغوطة الشرقية (كما جرى في حلب)، وإنهاء الوجود المسلح فيها حتى إجلاء آخر إرهابي منها أو دخوله في مصالحة، ووقف قَصف العاصمة بقذائف الهاون مهما كان الثمن، فالقذائف العشوائية التي تسقط على الأحياء الدمشقية القريبة من الغوطة الشرقية تتسبب في قَتلى وجرحى بينهم أطفال أيضًا، والقَتل هنا لا يبرر القَتل هناك على أي حال.

هذا وقد أكد الرئيس السوري أن حملة الغوطة الشرقية يجب أن تستمر بعد الاختراقات الواسعة التي حققها مؤخرًا الجيش السوري والقوات الحليفة والرديفة في أعماق مناطق سيطرة العصابات التكفيرية الإرهابية فيها، وذلك استكمالًا لمسيرة الانتصارات التي تحققت في شرق حلب، وفي تدمر ودير الزور وعموم سوريا من قبل، أما عن مزاعم استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية ضد شعبه، فهي تجري إعادة تدويرها وترويجها كلما حقق الجيش السوري وحلفاؤه تقدمًا ملموسًا ضد العصابات التكفيرية المسلحة في الميدان.

لا أحد حقًّا يهتم بالضحايا المدنيين في الغوطة الشرقية وغيرها في سوريا، فالقوى التي تدعم المعارضة السورية المسلحة قد تخلت عنها في الغوطة، مثلما تخلت عنها في حلب الشرقية ودير الزور، وسوف يتكرر المشهد نفسه في مدينة إدلب في المستقبل المنظور، فتركيا مشغولة في حرب الأكراد في منطقة عفرين والشمال السوري، أما الدول الخليجية الداعمة للمعارضة فاتبعت الأسلوب نفسه الذي اتبعته أثناء الهجوم على شرق حلب، أي الاكتفاء بالتركيز بشكل مكثف على المعاناة الإنسانية للمدنيين، وبث صور عن الضحايا (بعضها غير صحيح) عبر شاشات قنواتها التلفزيونية مع التركيز على الأطفال، إلا أنها لم تقدم أية خطوات عملية أو ملموسة على الأرض لإنقاذهم، بل تعمل فقط على التحريض على الحرب واستمرارها، حتى أنها بدأت تتخلى عن هدفها الساعي لتنحية الرئيس السوري بشار الأسد من منصبه.

قتل المدنيين أيًّا كانت الجهة التي تقدم عليه أمر مدان ولا جدال في ذلك، لكن المؤلم حقًّا أن الجميع يقتل في سوريا، والضحايا هم من الأبرياء دائمًا، ويكمن الفرق في هوية القاتل فقط، فإذا كان روسيًّا أو سوريًّا فهو مدان بارتكاب جرائم الحرب، أما إذا كان أمريكيًّا أو تركيًّا أو من فصائل المعارضة فإن ذنبه مغفور وبريء ولا لوم عليه، والضحايا في هذه الحالة ليسوا بشرًا ولا يستحقون أي تعاطف أو ذرف دمعة واحدة تضامنًا معهم ومع مأساتهم.

العقل العربي في معظمه لا يفهم مسألة سوريا إلا بلونين، إما أنك مع النظام وإما أنك عدو للنظام، إلا أن الموقف المنحاز بلا ضوابط إنسانية إلى أي طرف، وعدم إدانة قصف واستهداف المدنيين بلا رحمة، والجرائم التي ترتكب بحقهم تحت الحجج التي يقدمها كل طرف من الأطراف المتحاربة (النظام والمعارضة)، يسقط في الحضيض بحيث لن تقوم له قائمة أخلاقية بعد اليوم.

الحل العسكري الذي استمر حوالي سبعة أعوام فشل في سوريا، بحيث أضعف الدولة السورية، ولكنه لم ينجح في إسقاط النظام، كما بات واضحًا للجميع، حكومة ومعارضة، أن الحل السياسي القائم على الحوار هو الطريق الأقصر والأسرع لتقليص الخسائر، وحقن أكبر قدر ممكن من الدماء للوصول إلى الأمن والاستقرار والتعايش على أُسس العدالة والمساواة.

هذا ويبدو أن ملامح تسوية سياسية قد تلوح في الأفق عاجلًا أو آجلًا، وذلك لإجراء صفقة نهائية بين المعارضة والنظام على أساس المصالحة الوطنية، ونهاية الثورة بالتسوية، وببقاء الأسد، وبتصفية الفصائل لبعضها البعض، وهكذا سيتفاهم الأمريكان والروس فَوق جثث الضحايا، ويعقدون الصفقات فيما بينهم، وسيتم نسيان كل هؤلاء الضحايا الأبرياء الذين سقطوا ودفعوا ثمن هذا المخطط الجهنمي الذي تَخوضه أمريكا وحلفاؤها لتَدمير سوريا، وتَمزيق أوصالها، ونهب ثرواتها، ففي أسواق السياسة تكون دائمًا أرخص الأشياء دماء الأبرياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

صحيفة القدس العربي
صحيفة رأي اليوم
عبدالباري عطوان
إبراهيم علوش
ليث شبيلات
عرض التعليقات
تحميل المزيد