عرف العالم في الآونة الأخيرة بروز الصين كقطب اقتصادي مهم، لما له من ثقل وحضور لفت الانتباه، فرضه وبقوة داخل الأسواق العالمية. حيث اصطدم هذا العملاق بالولايات المتحدة الأمريكية، المتحكمة في السوق والتي اشتهرت بمكانتها العالمية على جميع الأصعدة سواء الاقتصادية، أو السياسية. وما تمتلكه أيضًا من أهمية في صنع القرار العالمي والتأثير فيه، والسيطرة على زمام الأمور.

سرعان ما اشتد التنافس في السوق، وخاصة بعد صعود الصين وشدة صلابتها الاقتصادية، والأرقام الخيالية التي حققتها داخل البورصات، تراود أسئلة كثيرة أذهان الباحثين والمفكريين، لعل أهمها مكانة أمريكا مستقبلًا. فهل ستستمر الولايات المتحدة الأمريكية تربعها على كرسي الحكم في العالم اقتصاديًا، وفي مجالات أخرى، أم أن الصين سيكون لها رأي آخر؟

في البداية يجب أن نقف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على هذا القطب الآسيوي. حيث تقمص المغرور الأمريكي ترامب، أسلوب الديكتاتور في حكمه عند إحساسها بالخطر والتهديد من كينونته الاقتصادية. ومع اكتساح منتجات «هواوي» الأسواق، واصلت الولايات المتحدة الأمريكية في دق طبول الحرب، وتوجيه أسلحة المعركة نحو الصين. فقامت بجملة من الإجراءات الصارمة حاولت الضغط بها عليها. فدعى الرئيس ترامب، بريطانيا، وأوروبا، لمقاطعة شراء كل منتجات «هواوي».

كذلك أمر الرئيس الامريكي شركة «جوجل» بالامتناع عن تزويد هاته الهواتف الصينية بنظام تشغيل «الأندرويد» الحديث. وفعلًا لم تلبث هذه الشركة كثيرًا ونفذت أوامر سيدها ترامب. لترفض تقديم خدماتها للهاتف. وتزامن مع هذه السياسة المتسلطة، قامت كندا باعتقال ابنة صاحب شركة هواوي، في محاولة لبث الرعب في مؤسسته وضرب من توازنها في السوق. ولا يجب أن ننسى أيضًا الرسوم الجمركية، التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد في مارس (أذار) 2018 بحجة سرقة الصين للملكية الفكرية للشركات الأمريكية، وغيرها من الأكاذيب الآخرة كعدم احترام الصين لقواعد ومبادئ التجارة. والتي وظفها زورًا وبهتانًا قصد أبعاد الصين عن الحقول الاقتصادية وتكبيدها خسائر مالية فادحة.

إن ما دفع أمريكا وعظمتها حقًا، لمثل تلك التصرفات فعلًا شعورها، وتنبئها بخسارة مكانتها الاقتصادية، في مستقبل ولربما في القريب العاجل. وفي هذا الإطار، قال أستاذ التحليل الاقتصادي بجامعة فالنسيا الإسبانية فرانسيسكو بيريز: «إن انعدام الثقة بين العمالقة الاقتصاديين قد ظهر؛ لأن نمو الصين وسعيها لقيادة الاقتصاد العالمي والمجال التكنولوجي، جعل الولايات المتحدة تشعر بأن نفوذها مهدد».

صدر مؤخرًا على لسان بعض الأبحاث والدراسات المعمقة أن الصين ستنزل الولايات المتحدة الأمريكية عن عرش الحكم في العالم والدور الريادي سيكون بين أحضانها.

ووفقًا لما نشرته وكالة بلومبيرغ في تقاريرها المتعلقة بالتغيرات الأقتصادية في العالم، والتي جاء فيها بخصوص حصة الصين، من الاقتصاد العالمي، فإنه وفي سنة 2024 ستكون في حدود 32٪، أما مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، ففي نفس السنة سيصبح نصيب الدولة الأمريكية حوالي 9.8٪، أي أقل من الصين، وبفارق كبير ملحوظ بينهم.

أثبتت أيضًا عدة دراسات للبنك الدولي، وصندوق النقد، أن الناتج القومي للصين بحلول عام 2030 سيبلغ 64.9 تريليون دولار؛ مما يبرز التقدم المدهش التي سجلته على حساب النسر الأمريكي ليكون رصيد، هذا الأخير حسب تلك الأبحاث من الناتج القومي 31 تريليون دولار، بعد 10 سنوات من الآن.

وإذا وجهنا الأنظار نحو نسبة النمو الاقتصادي لكلا البلدين. نجد نسبة النمو الأمريكي تقدر بـ1.5٪، والتي لا تتجاوز 2٪. في حين أن نسبة النمو الصيني قدرت بـ5.8 و6٪ وهو في أسوأ حالته. وبالإضافة إلى ذلك وفي خضم الأزمات امتلكت الصين القدرة على فتح باب المساعدات في مشهد إنساني رائع. وخير دليل المثال الصربي الإيطالي، وعلى أثر ذلك عبر الرئيس الصربي «ألكسندر فوتشيتش» عن غضبه تجاه الاتحاد الأوروبي وأمريكا أيضًا. لغيابهم التام في مساعدته أمام فاجعة (كوفيد-19)، وصرح أنه بدأ يفكر في شراكة مع الصين واصفًا التضامن الأوروبي بالقصة الخرافية على الورق «وعلق كل أماله بالصين معتبرًا رئيسها تشي جينغ» صديقًا وأخًا مقربًا.

ها هي كل الأرقام والمؤشرات تتحدث عن الصين ككيان شرس اقتصاديًا، في نموذج جديد يؤسس لحضورها في مختلف المحطات والمجالات، لينال بشرعية وعن جدارة ثقة الجميع، بعد الخذلان المرير الذي تعرضوا له، من أمريكا والغرب.

وفي الختام واستنادًا إلى المثل الصيني، الذي يقول «لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطادها»، لا يعتقد الكثير من جمهور الباحثين الاقتصادين، أن الصين ستبقى خلف الولايات المتحدة، بل ستكون حتمًا هي سيدة العالم في سنوات القادمة، فالأمة التي تصنع وتبتكر، وخاصة في مجال التكنولوجيا من المستحيل أن تبقى في ثبات تام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العالم, سيدة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد