«نعمةُ النسيان» قولٌ يترددُ على لسانِ معظم البشرِ. وهو السّبيلُ لاستمرارِ الحياةِ، على الرّغم من قسوتها، وازدحامِ الذّاكرة بالكثير من المواقفِ التي تصادفنا في حياتنا اليّومية، لكن هل تعلمونَ أنّ بعضَ الناس قادرون على تذكّر ما مرّ من ذكريات بتفاصيلها الدقيقة والحزينة مهما مضت الأيامُ والسنون؟ وتعود هذه الحالة الدّماغية الفريدة إلى متلازمة فرطِ التذكّر، أو مرض «هايبرسيميثيا»، والمصنف بأنّه من الاضطرابات العصبية النادرة، ويسمى أيضًا الذاكرة السّيرية الذّاتية بالغة القوة.
الهايبرسيميثيا تجعلُ من مصابيها حواسبَ آلية متحركة لا تخطئ. تتذكّرُ كلّ الأشياء والمواقف التي مرّت بهم مهما تباعدتِ السنون وبدقة مفرطة، وهذا يجعلهم أسرى ذكرياتِ الماضي وآلامهِ وليس لديهم القدرة على التعايش مع الحاضر أو مجرد التفكير في المستقبل فتتحوّل ذكرياتهم المحزنة إلى حالة دائمة من اليأس والاكتئاب والحزن الشديد.. وسنحدثكم عن شخصيةٍ تاريخية تدعى الخيزران.
 إنّها الجارية اليمنية التي اشتراها المهدي قبل أن يعتلي الخلافة، ثم أعتقها عند عزمه الزّواج بأخرى!
يصفُ هارونُ بنُ عبد اللّه بن المأمون أحد أحفادِ الخيزران اللقاءَ الأوّلَ الذي جمعها بالمهدي بقوله: «لمّا عُرِضت الخيزران على المهدي قال لها: واللّه يا جارية إنّك لعلى غاية التمني، ولكنّك حمشة السّاقين، فقالت: يا مولانا إنّك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما! فاشتراها وحظيت عنده» وهذا يدلّ على جرأتها وفطنتها وذكائها. وكانت الخيزران أمًّا لخليفتين من الخليفة المهدي هما الهادي والرّشيد، وهذه حالةٌ فريدةٌ في البيتِ العباسيّ.
لماذا تفضلُ الأمّ ولدًا وتنبذ آخر؟ سؤال يتردد والجواب الصريح هو قدرةُ هذا الولد على تحقيقِ طموحاتِ والدته وأمانيها. أما السؤال المحيّر لماذا تقتلُ الأمّ ولدها؟ الخيزران تميلُ إلى ابنها هارون الرّشيد وتفضلهُ على ابنها الهادي فحاولتْ أن تقنعَ زوجها أن يرجّحَ كفةَ الرّشيد في ولاية العهد على حساب ابنه الهادي، إلا أنّ وفاة المهدي بصورةٍ مفاجئة وغامضة عصفتْ بهذا السيناريو وتولى الهادي الحكم، والذي قلّص من سلطاتِ ونفوذ أمه الخيزران إلى حدّ كبير.
كانت الخيزران تتمتع بمكانة كبيرة لدى زوجها المهدي فكانت تتدخلُ في تعيين الولاة والحكام وكبار رجال الدولة مما جعل بابها مقصدًا لمواكبِ أصحابِ الحاجات الذين يترددون عليها طمعًا في نفوذها الطاغي، وقد استمرَ هذا الوضع إلى فترة قصيرة من تولي الهادي والذي ساءه هذا السّبيل في إدارة البلاد واستدعى أمّه وأنذرها بشكلٍ حاسم قائلًا: والله لئن بلغني أنّه وقفَ أحدٌ ببابكِ لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاءَ فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم؟ أما لك مغزل يشغلك؟ أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ ثم إياك وإياك إن فتحت بابك لأحد.. يقولُ الطبري: فتركت ابنها وهي لا تكادُ تتحسس مكان قدميها؛ فقد أعلنت الحرب بينهما.
لقد أصبح الأمرُ في طور الحسم، إما نفوذها، وإما ابنها! لا خيارٌ ثالث، فسارعت إلى التخلص منه وتهيئة الأمور لتولي الرّشيد ابنها المقرّب فاستعانت بجواري القصر في خنقِ ابنها الهادي في أثناءِ نومه.. مشهدٌ مخيفٌ الأمّ هي القاتلة ومن الصّعب أن تكون الأمّ معينًا على قتلِ ابنها ثمّ تصلي عليه وتذهبُ إلى الحج؟! تبقى الذكريات محفورة وإن طال الزّمان.. نموذجٌ غريبٌ ونادرٌ من نساء القصور أليس كذلك؟ امرأة لا تجد صعوبة في تقديمِ النفوذ على اعتباراتِ الأمومة.
هل تنتهي الحكاية؟! لم ينتهِ شبحُ الدّماء بجلوسِ الرّشيد على عرش الخلافة واستعادة الخيزران لمكانتها. حيثُ نشبَ الصّراع بين الخيزران وزبيدة زوجة الرّشيد فيما كان الصّراع دائرًا بينَ زبيدة أمّ الأمين والجارية الفارسية مراجل أمّ المأمون على أشده فيمن يخلف الرّشيد فأسهمت الخيزران في اتساع الهوة التي أدت في النهاية والتي لم تشهدها بمقتلِ الأمين. الغيرة والانتقام وسفكُ الدماء.
إنّه كيدُ النساء كما أسماه الأقدمون والغيرة التي تجعل المرأة دائمًا، سواء كانت زوجة أو أمًّا تصارع كلّ من حولها لتستحوذَ على الرّجل سواء كان مسماه زوجًا او ابنًا وعادة ما يكون الباعث نحو الغيرة تغيرات هرمونية عدة في المرأة.
إضافة إلى اتسام المرأة بنشاط ملحوظ فى السيولة الدموية الناتجة عن تدفق الدّم إلى الصدغ الأمامى من المخ، مما يؤدي إلى ارتفاع إفراز هرمون النورادرينالين المسؤول عن الوظائف المعرفية في المخ، وما يجعلها أكثر تركيزًا وانتباهًا للأحداث خاصة فيما يتعلق بالنساء الأخريات نحو رجلها فالمرأة بخلاف الرجل لا تستطيع أن توزع مشاعرها واهتمامها في اتجاهِ أكثر من شخص في نفسِ الوقت فيبقى حبها مركزًا على رجلٍ استحوذ على قلبها.
والخيزران في نهايةِ حياتها تتصارعُ مع ذكرياتها القاسية التي لا تغادرها فبقيت في مكة محاولة أن تخفف عن نفسها ذكرياتٍ مؤلمة لا تفارق مخيلتها.. توفيت الخيزران فسار الرشيد في جنازتها حافيًا. إنّها الخيزران التي أخذت من الخيزران صفاته وقد عملت وفق المثل السائد (لا تكن قاسيًا فتكسر ولا لينًا فتعصر) امرأة رسمت سياسة مملكة بقوة وصلابة وحققت ما تريد بعزيمة دونَ تردد في قتلِ فلذة كبدها لتتربع على عرشِ القرار. وهذا وإن دلّ فهو دلالة واضحة على دورِ المرأة في صنع القرارت المصيريّة عبرَ العصور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد