قد يسأل السائل: وهل للتخلف فلسفة؟ نعم للتخلف فلسفة مثلما للتقدم والرقي فلسفة أيضًا، لكنهما فلسفتان متعاكستان لا تلتقيان، فإذا كانت فلسفة التقدم مبنية على العلم والعمل، فإن فلسفة التخلف ترتكز على الجهل والكسل وترك العمل، الاستغراق في استهلاك ما ينتجه الآخرون والنأي عن الابتكار والإنتاج، فلسفة التخلف تعلي من شأن الجهلة والفاشلين وتحط من قيمة الناجحين والعلماء، لذلك يؤمن أصحابها بالغيبيات والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، على حساب الواقع والمنطق وما تدركه العقول، حتى فلسفة وأسباب التخلف تكاد تكون واحدة بالنسبة لجميع المجتمعات ولدى معظم الشعوب، تمامًا مثل أسباب الرقي، على اعتبار أن “نفس الظروف تؤدي إلى نفس النتائج”.

ما يحصل لنا الآن، هو نتاج البيئة الفكرية والسياسية والاجتماعية المتعفنة، التي ولدت فيها أجيال عديدة، ورضعت من نتانتها، وإن كانت المؤامرة جزءًا من هذا الواقع البائس التعيس، ولا يمكن تجاهلها كعامل مهم لما يحصل، إلا أن المسؤولية الكبيرة تقع على عاتق المنظومة التي نحيا في كنفها وننهل من قيمها وأفكارها، والحل يكمن في إعادة صياغة هذه المنظومة بأفكارها وقيمها بشكل راديكالي، أو على الأقل تصحيحها وتنقيتها.

على الشعوب العربية أن تدرك أن الحرب اليوم ساحتها الفكر والعقل، فمن يمتلك فكرًا يرتكز على المنطق وإنتاج المعرفة، وعقلًا ناقدًا لا يأخذ بظواهر الأشياء فقط، يصبح سيدًا تنقاد له جميع الشعوب بكبسة زر، كما أن الذي يمتلكهما، يكون عصيًّا على الانقياد، صعبًا على الاستعمار، فالإدمان على طرح الأسئلة يوقظ العقول ويحفزها، ويمنحها مناعة ضد الهجمات الفكرية، بل ويمكنها من اكتساب وعي ونظرة شاملة عن الأحداث الحقيقية والمفبركة.

لكن للأسف، فقد صارت مجتمعاتنا غير مهتمة بتعليم أبنائها تقنيات التساؤل، ولا تعمل إطلاقًا على نشر كتب الفلسفة والفكر النقدي، في مقابل اللهفة المحمومة على النشر والإقبال على كتب الطبخ والطبيخ وتفسير الأحلام، حتى يقول القائل بأن هذه الأمة أمة فقط تأكل لتنام وتحلم، هذه أسمى غاياتها وأهدافها في الحياة، مما جعلها أمة منقادة تسيرها الأمم الأخرى بـ”الريموت كنترول”.

لعله من بين أخطر الأسلحة التي يصوبها أعداؤنا لاستهداف عقيدتنا ولجم أي محاولة للتنوير، تتفيه العلماء وأصحاب العقول المنتجة للأفكار، وزرع الشك في علمهم وأهليتهم وجديتهم، حتى تُنزع الثقة الدينية والعلمية (العلوم بمختلف أنواعها) منهم، واستبعادهم كقدوة لأفراد المجتمع وخاصة لدى الشباب، ليسهل بذلك تمرير نماذج أخرى جاهزة لتسميم العقول وإغراق المجتمع في الميوعة، كما هو حاصل اليوم.

هناك فعلا نية مقصودة لكتم صوت العقل وحجب أنواره داخل مجتمعاتنا العربية، وأطراف عديدة تعمل من أجل التمكين للجهل وتفشيه بين الناس، القصة تبدأ من رجال دين يحرفون الكلم عن موضعه، ويخدرون عقول الناس لخدمة أهدافهم ومصالحهم، مرورًا بالحكام الذين يعلّمون الشعب ما يضمن لهم البقاء على كراسيهم، وانتهاء بالأعداء الذين يتكالبون على الأمة ويفرضون على رجال الدين والحكام تغيير المناهج الدراسية، والإبقاء فقط على بعض شذرات العلوم القديمة بمختلف تخصصاتها، وهذا الغرض لا يستهدف العلوم الشرعية فقط، بل حتى علوم الفيزياء والكيمياء مثلا استهدفوها، فأوصوا بحذف المقررات التي لها علاقة بعلوم الذرة حتى تبقى الأجيال جاهلة بهذه العلوم، ولا يكون باستطاعتها مستقبلًا التفكير في اختراع أسلحة نووية مثلا.

إنه لمنطق ساذج ذاك الذي يضع إستراتيجية قائمة على استيراد التكنولوجيا دون إنتاجها، خصوصًا العسكرية منها، ويعتقد أن تعلم استخدامها هو أساس آمن يمنح بعضًا من القوة والهيبة، وأن تراكم الأسلحة ومظاهر العسكرة بمثابة انعكاس صريح لقوة الردع التي يمتلكها أي جيش في العالم.

هذا المنطق، سارت على نهجه معظم الجيوش العربية، وصرفت من خلاله مليارات الدولارات على صفقات التسليح، على حساب قوت شعوبها ومراكز إنتاج المعرفة، وفي النهاية، للأسف، انهارت سريعًا أمام قوى ثورية أو جماعات تعتمد على حرب العصابات، لا ترقى إلى درجة الجيوش النظامية التي تتكافئ معها من حيث القوة والتجهيز العسكري.

من أعلى درجات الغباء أن نعتقد بأن شراء طائرة “إف 16″، أو مدرعة “هامفي”، يمكنها منحنا شعورًا بالأمان والقوة، وواهم من يظن بأن الدول الأخرى المصنعة للتكنولوجيا العسكرية تبيعنا أسلحة لنحاربها بها، إلا إذا كانت تمتلك تكنولوجيا أكثر تطورًا تفوق الأسلحة المباعة من حيث الفعالية والقوة التدميرية، أو حتى برامج يمكنها تعطيل فعالية هذه الأسلحة، كما هو حاصل مع أمريكا التي تبيع طائرات “إف 16” بينما تمتلك من جهة أخرى القدرة على تعطيلها عن طريق الساتل، أو حتى المدرعات التي لا تخترقها القذائف المضادة للدروع، بينما تحوز هي على مضادات أكثر فتكًا.

يجهل الكثيرون بأن النظريات العلمية الجديدة والمخترعات الحديثة والمطوّرة، لا تصلنا إلا بعد عقود من استغلالها وإنتاج نظريات ومبتكرات أكثر تطورًا وجِدّة، ففي الوقت الذي نستخدم فيه ابتكارات يتم استيرادها بملايين الدولارات، يكون الغرب بصدد استخدام جيل جديد ومطور من تلك المخترعات والنظريات، أي أننا نستخدم ما تجاوزه الزمن وتقادم عهده.

أكثر فظاعة من ذلك، جرت عمليات تصفية كثيرة للعلماء العرب، بالخصوص النوابغ منهم في حقول العلوم والتقنيات الحديثة، وتكون البداية غالبا، عن طريق استمالتهم للعمل في مختبرات بلدان أوروبا وأمريكا وحتى إسرائيل، وعند الرفض تكون لهم نهاية مأساوية، كما حدث لعلماء عراقيين أثناء الغزو وبعده، فقد تمت تصفية الكثير من أساتذة الجامعة والمختصين في علوم الذرة، ولأهميتهم وعلمهم، شكل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” فرقة خاصة من الكوماندوز لاغتيال العلماء العراقيين إبان الاحتلال الأمريكي.

إن النجاة اليوم، ليست في مقاومة تيار التغيير الجارف، كحتمية حياتية، فهو أمر سيقودنا لحتوفنا إذا اشتغلنا بهذا المنطق، لكن الحل الحقيقي يكمن في صناعة قوارب نجاة مستمدة من صميم مبادئنا و روح حضارتنا الأصيلة، وهذا يضمن ألا نغرق، مع الاستفادة من ثمار الحضارات الأخرى التي تعيش إلى جانبنا وعدم إلغائها بالكلية، كما يحاول بعض من يتوهمون امتلاكهم للحقيقة المطلقة، فرضه علينا.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد