ليلى

رمز للطفلة البريئة ذات الوشاح الأحمر التي خطط لافتراسها الذئب، كانت هذه القصة من أجمل القصص التي قرأتها في طفولتي، وكنت لا أمل من تكرارها والاستمتاع بتفاصيل القصة، إذ انتصرت ليلى البريئة وهُزم الذئب المفترس.

ليلى في مقالتي هذه هي رمز للأنثى الشرقية، والغابة التي في قصتها توازي مجتمعنا الحالي، إلا أن الخلاف هنا أنه ليس ذئبًا واحدًا من يحاول افتراس ليلى إنما هم ذئاب عدة، وليس حديثي اليوم عن الشباب الطائش الذي يريد أن يوقع الفتيات في شركه فهذا بحث آخر، وليس من أدبيات مجتمعنا هذه التصرفات الصبيانية، ولكنني أتحدث عن ذئاب صنعتهم العادات والتقاليد البالية، والفهم السطحي لتعاليم الإسلام الحنيف، والتطبيق المزاجي لتعاليم الشريعة، أو باختصار أشد وأوضح أتكلم عن الذئاب الذين صنعتهم ذكورية المجتمع، وضعف رجولته، وتأخره في فهم شريعة ربه.

وبما أن الغالب أن المرأة أضعف من الرجل فإنها كانت مهضومة الحقوق عند كل الأمم الضالة من فجر التاريخ إلى يومنا هذا، وكان العرب في جاهليتهم يدفنون البنات؛ لأنهن لا يركبن جوادًا، ولا يقاتلن عدوًا، ولا يجنين مالًا، وليس بمقدورهن أن يدفعن عن أنفسهن أي عدوان؛ فرآهن أهل الجاهلية عبئًا وعارًا.

«وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» [التكوير: 8- 9].

وإزاء هذا الضعف في المرأة والذي هو من طبيعتها ومجبولة عليه، فقد استبيح بسببه حماها، وسلب منها حقها، إلى أن جاء الإسلام بما يعزز موقفها، ويعلي مكانتها، ويحفظ لها حقها، فعاب الله تعالى على أهل الجاهلية نظرتهم للبنات، وشؤمهم منهن.

 «إِذَا بُشِرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُهُ فِي التُرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» [النحل: 58- 59].

ومن هنا ننطلق لنعلم أي إساءة للمرأة أمًا كانت أو أختًا أو بنتًا أو زوجة أو جارة أو أيًّا كانت ما هي إلا عادة جاهلية محضة، الإسلام بريء منها؛ بل ومحارب لها، فلا يرى الإسلام المرأة عارًا أو عبئًا، ولا يحض على خنقها ومعاملتها معاملة دونية وكأنها إنسان من الدرجة الثانية.

إن تفرد المجتمع الشرقي الذكوري برسم ملامح الحياة وتفاصيلها، وما نجم عن ذلك من عبث في القيم والأخلاق؛ بل وصل العبث إلى الآيات والأحاديث ولويت أعناق الأدلة بما يجعل المرأة مهضومة الحق مأمورة بالصمت، وهذا ليس في ديننا بشيء أبدًا، ولا يُعقل أن ديانة سماوية يمكن أن تتضمن ظلمًا للمرأة، ويكفي المرأة فخرًا أن في القرآن سورة اسمها «النساء» وكانت من آخر وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رفقًا بالقوارير» .

وأعرج هنا على عادة جاهلية في مجتمعاتنا وخاصة الريفية، أو المجتمعات المحافظة من باب العادة والتقليد وليست المحافظة دينيًّا، فإن الرجل منا يخجل أن يذكر اسم أمه أو أخته أو زوجته أو ابنته صراحةً، ويجد أنه من العار أن يعرف الناس هذه التفاصيل، وربما يعتبرها من أسرار العائلة التي لا ينبغي أن تكشف، وأبلغ ما يُرد على هؤلاء بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم: بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب.. فعدَ رجالًا. متفق عليه.

فلم يخجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ذكر اسم زوجته صراحةً وبدون أي تكلف أو تحفظ؛ بل إنه عندما جاء وقت ذكر اسم أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- نسبه إلى عائشة نسبًا «أبوها»، في حين أننا اليوم لو سئلنا نفس السؤال قد نقلب الطريقة، فنلمح إلى اسم الزوجة بأسماء مكنية إما ببنت فلان أو العيلة أو الأهل أو أم فلان ونجد حرجًا من ذكرها علانيةً.

فحبذا لو عدنا إلى ديننا عودًا جميلًا، وطهرنا عاداتنا وتقاليدنا مما علق فيها من إفراط أو تفريط بسبب بعدنا عن الدين، واختلاط الأمور علينا، وسيطرة النظرة الشرقية الجاهلية على تصرفاتنا ظانين زورًا وبهتانًا أن هذه الشرقية المتشددة هي الإسلام، والإسلام بريء منها ومن أفكارها الرجعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات