أثناء عملي بقسم الرعاية المركزة تم احتجاز شاب عشريني مصاب بشلل كلي إثر سقوطه من فوق أحد السقالات أثناء عمله كعامل بناء بأحد المدن الجديدة، كان جسد الشاب الطويل الضخم متناسق العضلات كأجساد لاعبي كمال الأجسام خامد تمامًا إلا من ارتفاع وانخفاض صدره أثناء التنفس، كان بالنسبة لي صورة مجسدة لآمال البشرية وآلامها في آن واحد.

وبعدما أفاق الشاب من غيبوبته كان أول سؤال له، بعدما تشنج وجهه ورأسه لبعض الوقت في محاولة تحريك أطرافه قبل أن يوقن تمامًا من عدم قدرته على تحريكها:

«أنا هخف يا دكتور؟ أنا مسؤول عن عيلة وأطفال في المدارس».

آلمني سؤاله وقتها، وفجر في نفسي أفكارًا عدة، كم هو ضعيف هذا الجنس البشري وكم هو قوي في نفس الوقت، يعاني من القيود المادية والبيولوجية، فهو حبيس جسده وفقره وطبقته الاجتماعية، ولكنه في ذات الوقت يملك العقل والإرادة والقدرة على تحرير ذاته؟!

إن هذا الإنسان الذي يرقد غير قادر على تحريك طرف، يحمل نفس الكروموسومات ونفس الخريطة الجينية لإنسان آخر في بقعة أخرى من الكرة الأرضية قادر على تجاوز كل الحدود والسفر عبر الفضاء واستيطان كواكب جديدة، قادر على النفاذ إلى عمق الخلايا البشرية ورسم خريطتها الجينية وتعديلها لجعلها مقاومة للمرض والشيخوخة، قادر عبر الخلايا الجذعية على خلق أطرف وأعضاء جديدة، هو نفسه فعليًا القادر على خلق «السوبرمان» القاهر للمرض والزمن الذي تحدث عنه زرادشت «نيتشه».

لماذا إذن كل هذه المعاناة التي نراها في حياتنا اليومية؟! ولماذا إذن الحياة بهذه القسوة والظلم ما دام يمكن للعلم تخطي كل الحواجز والسير بخطى حثيثة نحو خلق «السوبرمان»؟!

الإجابة ببساطة هي تجاهل السعي بشكل مواز للقضاء على الرأسمالية والمجتمع الطبقي، الرأسمالي هو المروج الأول وأكبر المستفيدين من ترسيخ أوهام القدرية و«الحياة غير العادلة» وذلك لوأد كل المحاولات الساعية إلى جعل الحياة أقل معاناة وأكثر عدالة  لتعارض هذا مع مصالحه، كما أنه مستفيد من ترسيخ بعض الخرافات المنافية للعلم في وعي الشعوب للتمكين لسلطته ولحاجة السوق لها في بعض الأحيان، وبالتالي فالقضاء على الرأسمالية لصالح مجتمع العدالة والمساواة والحرية هو الخطوة الفعلية الأولى نحو تذليل كل العقبات وتسهيل مهمة العلم في وضع حد لمعاناة البشرية.

إن استمرار المجتمع الطبقي عالميًا يهدد الأساس الذي قامت عليه الحضارة والبحث العلمي وهو «الحرية»، فلا حرية ولا مستقبل لحضارة تقوم على مبدأ المنافسة والاحتراب وعدم تكافؤ الفرص.

والسعي لتخطي القيود البيولوجية وخلق الـ«سوبرمان» دون سعي بشكل مواز لتخطي القيود الطبقية والقضاء على آليات النظام الرأسمالي القائمة على المنافسة ومظاهرة من فردية وانتهازية وتفاوت طبقي، سيؤدي إلى تعميق حالة الانقسام الطبقي والصراع الإنساني وإكسابه بعدًا بيولوجيًا خطيرًا، بخلق مجتمع يوجيني طبقي.

هذا المجتمع الجديد الذي يتشكل تدريجيًا الآن، بعض من مظاهره توفر الخدمة الصحية والعلاج الجيد لبعض البشر وفي المقابل نقصهم الشديد لدى آخرين، لا يهدد البشرية بالاقتتال وينذر بطور من البربرية قد يهدد الحضارة الإنسانية عموما في المستقبل وفقط، بل إنه يهدد مساحة الحريات داخله بتغذية النزعات القدرية والفردية والعنصرية والشوفينية والفاشية لدى أفراده مما يهدد مساحات الحرية والبحث العلمي، كما يقوم بتحويل العلم إلى خادم للرأسمالية وليس البشرية، فميل الرأسمالية الدائم لتعزيز النزعة الاستهلاكية لدى البشر وسعيها الدائم نحو الربح سيفرض المسار الذي يجب علي البحث العلمي اتخاذه وكذلك الحد الأقصى لطموحه.

فليس من مصلحة الرأسمالية مثلا إنتاج أدوات لا تفنى ( كوب لا يتحطم مثلا) لأن هذا يعني عدم الحاجة لإنتاج وبيع كوب جديد وفي هذا خسارة فادحة… وهكذا.

كما أن التناقض العميق بين كونية العلم وميكانيزمات النظام الرأسمالي القائمة على المنافسة والتفاوت الطبقي وعدم تكافؤ الفرص سوف يحد من إمكانات البشرية باستثناء بعض قطاعاتها من العملية الإبداعية، كما يضع هذه الحضارة في حالة احتراب دائم ليس فقط مع طبقات أخرى بل حتى داخل الطبقة الواحدة، وتهديد الحرب النووية القائم منذ الخمسينيات حتى الآن مثال واضح على ذلك.

الحضارة التي لن تهتم بالسعي للتخلص من القيود البيولوجية والطبقية معًا لخلق مجتمع العدالة والمساواة بالتوازي مع القفز بالإنسان حواجز البيولوجيا، هي حضارة عرجاء تحمل بين طياتها بذور فنائها وجميع إنجازاتها مع كل خطوة تخطوها للأمام بصورة شديدة الخطورة، كما أنه يهدد «الحرية» التي هي الأساس الذي عليه قامت النهضة العلمية ذاتها، ويقلص من فرص الوصول لخلق الإنسان «السوبرمان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حضارة
عرض التعليقات
تحميل المزيد