“هقولكم حاجة، لا سحيح، بجد، علشان تبقى الأمور واضحة، وأنا بقولهم كلهم، اصرفوا الاحتياجات اللـ .. ااااا .. ع الأقل يبقى عندنا منها الأساسية، وبكده نكون لأ بجد بجد يعني ……”

بهذه العبارات البليغة الموزونة تحدث الجنرال، ولم أغضب من عباراته بقدر ما غضبت من الحاضرين اللذين استغلوا كل لحظة صمت له كي يملأوا الأجواء بالتصفيق والتهليل لهذا الزعيم الملهم، الزعيم الذي لخص برنامجه الانتخابي من ذي قبل في جملتين اثنين؛ “الحرب على الإرهاب” و “أنا مش مش عايز أديك .. أنا مش قادر أديك”، وبدأ على أساسهما تنفيذ خطته العظيمة التي يعرفها كل رجل عسكري؛ خطة الشحن العام التي صنعت بين العوام رابطة نفسية هللت وطبَّلت وآمنت أن الرقص في الانتخابات هو أسمى درجات الوطنية، وعلى الجانب الآخر يقبع شباب الثوار وكل من له رأي إما قيد الإيقاف أو رهن الاعتقال دونما أدنى مُراعاة لحق أو عدل أو حتى انسانية.

بنى السيسي نظام دولته على الوهم؛ فبدأ ببيع الكفتة للمصرين ليستمتعوا بغذاء شهي نقي خالٍ من الأمراض والجراثيم والفيروسات، ونجح الجهاز في تحقيق أهدافه وانتخب السيسي رئيسًا، فنُحيت الكفتة وكأنهم لم يعلنوا عنها أصلًا، وبدأت تتوافد علينا مشروعات عملاقة كمشروع المليون وحدة، مرورًا بالعاصمة الجديدة، وكلاهما لم يخرج للنور حتى اللحظة، ثم قناة السويس الجديدة التي نرى أثرها الآن في انخفاض سعر الجنيه ومن ثم زيادة التضخم، المشروع الذي جسد بكل وضوح كيف يمكن لشخص ما أن يُسقط بلدًا بأكمله في مشاكل لا حصر لها بسبب رغبته في بناء مجد شخصي، واستمرت الكفتة في النمو والازدهار لتخرج علينا أخيرًا بمشروع وكالة الفضاء المصرية، يا لعظمة هذه الدولة التي تنتوي بناء وكالة فضاء وهي تحتل المرتبة قبل الأخيرة بين الدول في جودة التعليم، ولست أدري حقيقة أيهم أشد بؤسًا، أهذا الذي آمن بمشروع الكفتة، أم هذا الذي آمن بجدوى قناة السويس، أم هذا الذي يؤمن أن مصر السيسي ستنهض يومًا؟

استند السيسي أيضًا على مص قوت الغلابة من هذا الشعب، بدأ حكمه برفع أسعار الطاقة ثم أسعار السلع ثم السجائر ثم وثم وثم . إلخ، ولم ينسَ في كل ارتفاع أو زيادة في أي مجال أن يرفع من أجور القضاة ورجال الشرطة والجيش، حتى أصبحنا ننتظر ارتفاع أجورهم مع ارتفاع درجات الحرارة، وليس هذا بالعجب؛ فالسيسي دون مساندة القضاة لن يستطيع التخلص من هؤلاء الذين يُهددون عرشه، وبدون الشرطة لن يجد من يبطش بالمعارضين ويصفيهم دونما أي رحمة أو قانون، وبدون الجيش لن يجد الحزب الداعم له، فكان رفع أجور هؤلاء ضرورة ليضاهي غلاء الأسعار بالنسبة لهم، مما يضمن لهم رغد العيش، فيظل نظام السيسي قائمًا بينما تقبع الطبقة العريضة من المصريين في عناء.

أُسكتت كل الألسنة، وقُصفت كل الأقلام، ولم يبق على الساحة سوى من يقرأ مما كتب النظام، ويُسبح بحمده، ويساعد على الشحن العام للمجتمع في محاولات للسيطرة على سلوكه وتوجيهه نحو ما يخدم النظام، “إنت بتكتب يا أحمد؟”، ولكني أكاد أجزم أنه لم يسأل نفسه يومًا؛ ماذا بعد؟ ماذا بعد أيها الجنرال؟!

هل تعلم ما وصلت إِليه مصر على يديك؟ حسنًا سأُخبرك، الوضع في مصر أيها الجنرال قد وصل إلى أسوأ حالاته منذ فترات، لقد أدرك الشعب أن لا فائدة مما تفعل، وبلغ اليأس منتهاه في نفوس الشباب فصار السفر خارج البلاد حلمًا لهم آملين جزءًا من عيش كريم بعدما كانوا يرون في السفر خيانة للثورة وللوطن، أما من بقي فقد كفر بالتغيير، وأصبح جليًّا له أن لا فائدة من أي شيء، وأن كل ما يهم النظام هو الاقتطاع من قوت يومه ليضعه لقمة سائغة في أفواه المناصب العُليا في الدولة.

أما فيما يخص الاقتصاد، فديون البنك المركزي بالدولار تفوق صافي أصوله الأجنبية، وهو أمر لم يحدث منذ ربع قرن من الزمان، وأظنك تعلم انخفاض سعر الجنيه أمام الدولار، وأحسبك أيضًا تعلم أن هذا الانخفاض جاء نتيجة لقرارك بحفر قناة لا فائدة منها، أما الأسعار والخدمات فأظنك أيضًا تدري ما أصابها من ارتفاع جنوني جعل من الصعوبة بمكان أن يهنأ المواطن بعيش مستور في هذه الدولة.

سيدي الرئيس، إن الشحن النفسي مهما كانت قوته ودقته وبراعته فله نهاية، وإن النفوس القابلة للشحن والتوجيه لا تظل على حالها قابلة للشحن كثيرًا، وإن النفوس التي ارتضت بظلم غيرها اليوم، لن يستمر رضاها كثيرًا، وحتمًا ستعود يومًا إِلى إنسانيتها الطبيعية، وخصوصًا بعد كم الإخفاقات المتتالية منك ومن دولتكم على الأصعدة كافة، وقد سجل علماء علم النفس الاجتماعي هذه الحقيقة، فمهما مارست الخداع فإنه لن يستمر طويلًا، وستصل في النهاية إِلى مصير معلوم.

إن الفرق بيننا – نحن الثورة – وبينكم سعادة الرئيس كالفرق بين أول تلفاز على سطح البسيطة، والـ LCD، كلاهما يعرض الصورة، لكننا دومًا ننظر إلى جودتها وأنت لا، أنت ترى التلفاز هو ذلك الجهاز الذي يعرض ما يُبث عليه من مبنى التليفزيون، بينما التلفاز بالنسبة إِلينا هو جهاز يمكننا من المشاهدة أو تشغيل فلاش ميموري أو استخدامه كشاشة للعب البلاي ستيشن، هلا فهمت الفرق، إنه اختلاف معايير، ومهما حاولت إقناعنا بأن تلفازك هو نفسه تلفازنا فلن تستطيع، وليس أمامك إذا كنت تريد الانتصار إلَّا خيارين اثنين، إما أن تقتلنا جميًعا أو أن توقف الزمن عند هذه اللحظة التي نعيشها، وكلاهما مُستحيل الحدوث.

وسط هذا الوضع المزري، أطل علينا سيادة الرئيس ليتحدث بغضب عن إعلامي أساء له ليسأل في غضب: أنا أسأت لمين؟ سأخبرك سيدي، هل رأيت الصور المنتشرة مؤخرًا لفتاة في العقد الثالث من عمرها وهي تبكي قهرًا، هل تعرف إسراء الطويل؟ هل تعرف صهيب؟ هل سمعت يومًا عن هؤلاء المختفين قسريًا؟ هل تعرف إسلام عطيتو الذي اختطفه رجالك وقتلوه؟ ومثل أولئك كثير، تتساءل لمن أسأت؟! أسأت لأكثر من أربعين ألف مظلوم يقبع في سجونك وأنت تعلم، أسأت لإسراء ولصهيب ولإسلام، أسأت لكل أولئك وأنت تعلم.

اللافت في خطاب السيسي الأخير أنه فعلًا غاضب، داخله غضب حقيقي، لكنه فقد شخصية رجل الدولة، هو في قمة غضبه، لكنه لا يعلم ولا يدري ماذا يفعل، فهو لا خطة له ولا مشروعًا، ولا يدري ماذا يفعل، فالأمور قد انفرطت من يده، وأصبح نظامه على حافة السقوط حيث سقط النظامان السابقان؛ إلى مزبلة التاريخ.

أخيرًا، هل سمعت يا سيدي أن الإسكندرية وعددًا كبيرًا من محافظات مصر قد غرقت بسبب بعض أمطار؟! لا ميصحش كده، لا ميصحش كده .. سحيح .. ميصحش كده … ميصحش كده .. ميصحش .. والمرة الجاية هشتكيكو لشعب مصر .. والمصحف لأشتكيكوا للميس.

ألَّا لعنة الله على الظالمين

تحيا الثورة

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد