في منتصف عام 2005 تلقى باولو كويلو دعوة لزيارة جامعة القاهرة، صاحب تلك الزيارة معرض لأعمال ذلك الأديب الرائع. المشكلة لم تكن في الزيارة الهادئة ولا في عرض أعماله لكنها كان في إصرار منظمي الزيارة على عدم تضمن المعرض لرواية بذاتها وهي إحدى عشر دقيقة، وكعادة بني البشر الممنوع مرغوب، سار لغط عن تلك الرواية لما تم منعها دون غيرها وكغيري سألت، الرواية تتحدث عن فتاة جعلت منها قسوة الحياة عاهرة أصرت أن تشارك المجتمع إثمها وتُعلِمَه كيف أصبحت هي فأخذت مع نهاية كل يوم تدون حياتها وكيف هو حالها بين أحضان الرجال، متى كان الإحساس بالمهانة ومتى أحرقت الدموع وجنتيها ومتى كانت السعادة والنشوة مع نهاية الإحدى عشر دقيقة، وهنا عرفت لمَ كان الإصرار على المنع.

بعد أن قرأت الرواية كتبت بها رأيي وكم استطاع كويلو كعادته أن يجعل من القارئ مصاحبًا لبطل الرواية ومشاركه الإحساس وأن الروائي الحقيقي هو من يجعل منك ظلًّا لأبطال الرواية لا مجرد قارئ، بعدها حدثني الكثير من الأصدقاء ذوو النزعة الدينية الشديدة كيف تقرأ تلك الراوية وإن قرأت تكتب عنها، تلك الرواية بها الكثير من الألفاظ والأحداث المخالفة للعادات والتقاليد والآداب العامة، كان ردي حينها دون أدنى ريبة اقرأ كشاب يطمح أن يكون ناقدًا وأديبًا ذات يوم، اقرأ كل ما تقع عليه عيني فيجب أن تفصل بين ما تقرأ وما تقتنع به، تقرأ من أجل العلم ومن أجل سعة الأفق وأن تحتفظ بفكرك وما تؤمن به بين ضلعيك وأن تنصف الكاتب وإن خالف اعتقادك هو وما كتب.

تذكرت تلك المناقشة حين بدأ أحمد مراد يقص علينا في روايته الأخيرة «أرض الإله» قصة نبي الله موسى عليه السلام وكيف كان سرده للرواية مخالفًا لكثير مما ورد في القرآن الكريم وما ورد في كتب السيرة، حينها ورد لذهني سؤال كيف يؤثر ذلك على المجتمع وجيل جديد يتشكل، قد يكون مراد يكتب الأحداث من وجهه نظر روائية أو ربما مما ورد في نصوص ديانة أخرى، لكنه غفل جزءًا أهم من عنصر تشويق أو خلقه لخط درامي يمط معه أحداث روايته وهو أن هناك جيل كامل أصبح يستقي معلوماته من روايات ذاك العصر، أن الكثير أصبح يغفل التاريخ وقد لا يعرف حد الكفاف منه، أن في واقعنا الحاضر أصبحت الرواية بمثابة كتاب تاريخ لجيل لا يقرأ. كان يمكن لمراد أن يخلق عاملًا دراميًّا آخر للرواية وإن كان لابد من ذكر لقصص الأقدمين والأنبياء فهي لدينا موثقة بالقرآن والتفاسير ولا حاجة له من تحريف.

عندما أثار ذلك الاختلاف في راوية نبي الله موسى تذكرت كيف كان رأيي حين قرأت إحدى عشر دقيقة وكيف فصلت حينها بين ما ترتضيه العادات والتقاليد وما ترتضيه روح القارئ، الوضع مختلف حين تقارن بين ذلك وبين أن يكون الوضع مرتبطًا بتأريخ ديني قد يؤثر على معرفة جيل يتشكل ولا يجد واعظًا يصحح له، وحقيقة أنه لا فصل أبدًا بين ما يرتضيه المجتمع والدين وما يجب أن ترتضيه أنت، فهذا ما شعرت به بعد أن انتهيت من رحلتي في أرض الإله فقصصته في إحدى عشر دقيقة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد