(أرض النِّفاق) رواية للروائي المصري يوسف السباعي صدرت في عام 1949، وتتحدث عن غياب القيم الأخلاقية في المجتمع ونُدرة انتشارها، واستخدمت فيها شخصية الراوي ليكون البطل، وهو موظف حكومي بسيط يواجه عددًا من المشكلات في حياته ويتشابه فيها مع الكثير من النَّاس، فيعاني من تسلط وقسوة حماته في المنزل التي تتحكّم بأغلب مفاصل حياته، وتواجهه أيضًا صعوبات في عمله، وغيرها من الظروف المحيطة به، ويحاول التأقلم معها مهما كانت الطريقة المتاحة أمامه، وينجح في مواجهتها بعد تناوله لحبوب الأخلاق.

خلاصة رواية أرض النفاق

يكتشف بطل الرواية بالصدفة أثناء سيره في الطريق دون هدى حانوتًا يحمل اسم (تاجر أخلاق.. بالجُملة والقطاعي)، ويدفعه الفضول لدخول الحانوت حتى يعرف نوعية البضاعة المباعة فيه، ويتفاجأ بوجود رجل عجوز داخله، ويخبره بأنه تاجر الأخلاق، ويعرض على البطل أنواع الأخلاق التي يبيعها، مثل الشجاعة، والمروءة، والعفة، والنزاهة، والتضحية، والإخلاص… إلخ.

يشكّ البطل بأن التاجر مجرد نصاب أو محتال يريد بيعه حبوبًا تحمل أعراضًا جانبية خطيرة، وبالفعل يحذره التاجر من النتائج المحتملة لتناول تلك الحبوب، ويزداد شكّ البطل عندما يرى شوالات الأخلاق مكدسة، ولم يفكّر أي شخص بالشراء منها، ويبرر له التاجر ذلك بأن الأخلاق مثل أي بضاعة أخرى تحتاج إلى تسويق وإعلان، وأنها متوفّرة في كلّ مكان، ولكن لن يشتريها أحد.

بعد ارتياح البطل لشكل ومظهر وتقاسيم وجه التاجر العجوز يدفعه فضوله لتجربة أحد أنواع الأخلاق التي يبيعها، فيختار شراء كمية من حبوب (الشجاعة) لتجربتها، ولاحقًا يبدأ مفعولها بالظهور تدريجيًا عليه في المنزل والعمل والكثير من الأماكن الأخرى، ويختبر البطل فعالية حبوب الأخلاق عند تعرضه لعدد من المواقف خلال أحداث الرواية.

يدرك البطل أخيرًا أن النَّاس بحاجة لحبوب الأخلاق، ويشجعه ذلك على سكب خلاصتها في النّهر، فيظهر أثرها في جميع النَّاس، ويكتشف ذلك أثناء زيارته برفقة تاجر الأخلاق لأكثر من مكان، ومع تتابع الأحداث يتم القبض عليهما؛ بسبب اتهامهما بارتكاب جريمة نشر الأخلاق، ولكن يفرج عنهما بعد أن تتغير مجريات محاكمتهما، كما لم تبقَ حال متجر الأخلاق مثلما كانت في السابق، فيشهد توافدًا كثيفًا من النَّاس لشراء حبوب الأخلاق.

ومن كان منكم بلا نِفاق فليرجمني بحجر – اقتباس من الرواية

التحول إلى فيلم سينمائي بطولة فؤاد المهندس

تحوّلت رواية أرض النِّفاق في عام 1968 إلى فيلم سينمائي من بطولة الفنان فؤاد المهندس، وحافظ نص الفيلم على فكرة الرواية، ولكنه تشابه معها واختلف عنها بعدد من التفاصيل، فحصل بطل الرواية على شخصية مستقلة عن الراوي، وعُرِفَ باسم (مسعود أبو السعد)، أمّا شخصية الحماة في الرواية تحوّلت في الفيلم إلى زوجة للبطل ولعبت دورها الفنانة شويكار، ويكون تاجر الأخلاق صاحب محل يحمل اسم (أخلاق للبيع) ويحافظ على صورة العجوز الكهل، ومنح ذلك العمل صورة جديدة قريبة من الواقع في فترة الستينات، مع محاولة تقريبها من مرحلة كتابة الرواية في أواخر أربعينات القرن العشرين، واستطاع الفيلم أيضًا تسليط الضوء على الأزمة الأخلاقية التي يعاني منها النَّاس، وجعلتهم يميلون لاختيار الأخلاق السيئة كالنَّفاق والكذب والغش، بدلًا عن الأخلاق الحميدة الكاسدة وغير المباعة، وتأتي نهاية الفيلم مشابهة تقريبًا لنهاية الرواية، فيقرر البطل مسعود سكب خلاصة الأخلاق في الماء لتساهم بدورها في تغيير النّاس، ولكن بعد انتهاء مفعولها تعود الحياة لحالها الأولى مليئة بالنِّفاق.

التحول إلى مسلسل تلفزيوني بطولة محمد هنيدي

أُعلن عن استعداد الفنان محمد هنيدي تصوير مسلسل (أرض النِّفاق)، لعرضه ضمن مسلسلات رمضان 2018، وجمع صنّاع العمل بين الفكرة الرئيسية لرواية أرض النِّفاق والأحداث الأساسية فيها لتكون قاعدة للمسلسل، مع الاستعانة باسم مسعود المستخدم في الفيلم ليكون اسمًا للبطل في المسلسل، كما أضيفت أحداث جديدة ومختلفة عن الرواية والفيلم، فمسعود في المسلسل عامل بسيط في هيئة الحي، ثم يترفع وظيفيًا بالاعتماد على تأثير حبوب الأخلاق، ويظهر دور كل من الزوجة والحماة بشكل متوازٍ، فتأثران وتتأثران ببعضهما لتحريك الأحداث، وتظهر أيضًا شخصية حسن صديق مسعود غير الموجودة في الرواية، والذي يشاركه في أغلب الأحداث والمغامرات التي تواجهه خلال الحلقات.

تاجر الأخلاق في المسلسل لم يمتلك حانوتًا أو متجرًا لبيع الأخلاق، ولم يكن تاجرًا، بل كان طبيبًا اسمه الدكتور ماضي يلتقي مع البطل مسعود بالصدفة، ويدعوه لزيارة مختبره الموجود في منزله، ويقنع مسعود بعد جدال معه بأن يكون فأر التجارب لحبوب الأخلاق خاصته، ويكون خيار مسعود الأوّل هو تجربة حبوب الشجاعة، ثم تتوالى الأحداث وتتغير لتتناسب مع كل نوع يتناوله مسعود من حبوب الأخلاق.

ينتهي المسلسل بمعاناة البطل من ضيق وكره حياة الرفاهية التي وصل لها، ويتمنى العودة لحياته السابقة فقيرًا في الحي الشعبي الذي كان يسكن فيه، وهنا يظهر الدكتور ماضي الذي يخبره بأنه لن يتخلى عنه، وسوف يعطيه حبة جديدة لتجربتها، ولكن دون الكشف عن هويتها، وهنا يتضح بأنه من الممكن إنتاج جزء ثانٍ من المسلسل، سوف تأكّد الأيام القادمة وجوده من عدمه.

أيهما نجح في تصوير أرض النفاق.. الفيلم أم المسلسل؟

إن وضعَ مقارنة لتحديد أي من فيلم أم مسلسل أرض النِّفاق هو الأنجح في تصوير القيم الأخلاقية يحتاج إلى دراسة تركيبة كلّ منهما، من حيث (الأبطال، والأحداث، والقُرب من الواقع، ومدى النجاح في معالجة فكرة الرواية)، فركّز الفيلم على حلم البطل بالتخلص من تسلط زوجته ومشكلاته الأخرى، وكانت الأحداث تدور حول البطل فقط مع مشاركة الممثلين الآخرين كمحركين للعمل، كما نقل صورة عن الواقع وطبيعة المجتمع في الفترة الزمنية التي أنتج فيها، وعالج فكرة الرواية عن النِّفاق وفقًا للحالة الأخلاقية السائدة في ذلك الوقت، فنجح بالتعبير عن الفكرة باستخدام الكوميديا السوداء.

بينما تميّز المسلسل بإنتاج ضخم أضاف له لمحات حديثة، لم يتشابه فيها مع أحداث الرواية والفيلم، فاستطاع الفنان محمد هنيدي أن ينفردَ ويتميّزَ في تقديم شخصية البطل (مسعود)، فتمكّن من تحريك الأحداث بمشاركة الأبطال الآخرين، ولم ينعزل عنهم، بل شاركوه في مختلف مغامراته، والتي استعان فيها بمجموعة من حبوب الأخلاق، فتناول حبوب الشجاعة والمروءة والنِّفاق والسرقة والانتقام والصراحة والحظ السيئ والحظ السعيد والبخل، بالتزامن مع وجود تغييرات جوهرية ومختلفة عن نص الرواية؛ حتّى يكون المسلسل قريبًا من الواقع في عام 2018، فنرى مسعود يستخدم الهاتف الخلوي، وجهاز الحاسوب المحمول، وهي إضافات ضرورية تتزامن مع الوقت الحاضر، وهكذا نجح مسلسل أرض النِّفاق في معالجة فكرة الرواية المكتوبة في عام 1949، ودمجها مع الأحوال السائدة في العصر الحالي.

بعد تمحيص وتحليل الفيلم والمسلسل من الممكن الوصول إلى نتيجة نهائية حولهما، وهي بأنه لا يمكن الاختيار بينهما أو ترجيح كفّ أحدهما على الآخر، فكلُّ عمل منهما عالج فكرة النِّفاق والأخلاق وفقًا لصورة معينة تتشابه مع وقت ومرحلة إنتاجه وعرضه، ولكن تشابها معًا بنقل الهدف والفكرة الرئيسة من الرواية، وهي العلاقة بين الأخلاق الحميدة والسيئة، ومدى استعداد الإنسان لقبولها والتعايش معها، أو رفضها وإقصائها من حياته، وهكذا من الممكن القول إن كلَّا منهما نجح في تصوير (أرض النِّفاق).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!