كان الشعر، ولا يزال، بوصفه مرآة الثقافة، حاضرًا في كل مفاصل حياة الإنسان من مكامن شعوره وعواطفه وأفكاره لغاية ماتناله اليد ويطاله البصر. وبوصفه أيضًا الاستغلال الأقصى للأصوات ذات المعنى، أي الكلام، ظل الشعر الوسيلة المثلى للتعبير عما تعجز عن بلوغه لغة الشارع بنفس الإيجاز والبلاغة.
والشعر له مواقف في الأزمات والمحن، حيث يبرز في خضمها الشاعر مدافعًا عن الحقوق بلسانه وقلمه، وفي ذات الوقت معبرًا عن رأي نابع من صلب ثقافته، سواء في التصدي للأزمة أو في معالجتها. وكمثال على ذلك: سأستعرض في هذه السطور مواقف الشعر والشعراء في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، خصوصا عقد الثلاثينات. وقد يكون لاستعراض ماجرى في هذا العقد أهمية كبيرة في أيامنا هذه، إذا أخذنا بعين الاعتبار تكرار بعض الظواهر الهامة وعودتها إلى الظهور.

فترة الثلاثينات كانت من أصعب الفترات التي مرت على العالم بأسره، هي الفترة التي ناءت بتبعات وأوزار الحرب العالمية الأولى، من ركود اقتصادي، وشعور بالإحباط والظلم والضياع الفكري بين الرأسمالية والشيوعية، وهي أيضًا فترة ازدهار الأنظمة الشمولية والأيديولوجيات التوسعية القمعية من فاشية ونازية وغيرها. كانت فترة صعبة مهدت وباندفاع شديد لنشوب حرب عالمية أخرى، لم يستطع الكثير تقبلها؛ فمنهم من هاجر إلى الولايات المتحدة، كالشاعر ويستان أودن وزميله كرستوفر إيشروود، ومنهم من قرر الانتحار، كالروائية فرجيينيا وولف، التي رمت بنفسها من الجسر إلى أعماق نهر أوز جنوب إنكلترا.
وفي فترة الثلاثينات في بريطانيا برز الشاعر والناقد والمسرحي ويستان أودن، حتى كاد يصبح صوت العقد الثلاثيني من القرن العشرين بلا منازع. كان أودن شاعر الجماهير وأكثر من تصدى بشعره للأزمات كمدافع عن الحقوق ومحذرًا من العواقب. وحيث كان الناس مشغولين بما يقوله هتلر وما يفعله موسوليني في إيطاليا وفرانكو في إسبانيا، وإمبراطور اليابان في الصين، كان أودن يبحث في الأسباب كمفكر مستنير جمع بين كارل ماركس في نظرته الاشتراكية للجماهير وفرويد في نظرته للأفراد من منظور علم النفس التحليلي.

أودن كان ذلك الشاعر الشاب الأنكلو-أمريكي المولود عام 1907 في مدينة يورك شمال إنكلترا، خريج جامعة أكسفورد العريقة الذي أعاد للمسرح الشعري هيبته مع أخرين أبرزهم ت. س. أليوت. كانت نظرته للأزمات المتلاحقة اجتماعية لاسياسية ولاعسكرية ولاحتى اقتصادية. أودن قال في قصائده أن السبب يكمن في اللامبالاة الاجتماعية Social Apathy وفي شيوع الأنانية Egoism والكراهية Hate وتفشي كل ذلك في العقل الجمعي والسلوك الاجتماعي، وطرح حلًا ينهي جميع الأزمات، ويمنع وقوع الحرب، ألا وهو المحبة. وظل أودن يردد هذا الحل حتى عندما سمع بإعلان الحرب في سبتمبر (أيلول) عام 1939 حيث قال يومها في قصيدته الشهيرة المسماة 1 سبتمبر 1939:

We must love one another or die

علينا أن نحب بعضنا البعض أو نموت

ربط أودن الحقوق بالمكان أيضًا. فهو كان يبحث دائمًا عن أرض تسود فيها المحبة بين أفرادها وبرأيه فإن سيادة المحبة ضمان للحقوق والعدل والحريات. بحث كثيرًا عن مدينة العدل، ولما لم يجدها قرر الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث عاش في مدينة نيويورك. وهناك لم يجد غير ضياع أكبر للحقوق. كتب قصيدته Refugee Blues أو ترنيمة اللاجئين عام 1939 وهو يشاهد مأساة المهاجرين من أوروبا إلى أمريكا وضياع حقوقهم ونسيان قضيتهم هناك كلاجئين في خضم الانشغال بما يجري على الجبهات.
وحيث كان أودن يرى أن أزمة ضياع الحقوق أخلاقية مكانية كان غيره في مكان اخر يرى غير ذلك إلى حد ما. ففي فترة الثلاثينات لم يكن العالم العربي موطنًا للعدل والحقوق، خصوصًا في ظل الانتداب البريطاني والهيمنة الغربية على مقدراته ومصيره.

في تلك الفترة وفي العراق تحديدًا كان الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي عمل في بلاط الملك فيصل الأول صوتًا صاعدًا في عالم الشعر.

كان أيضًا صوت الجماهير ولسانها الناطق بقصائد تدافع عن حقوق الفقراء كقصيدة الأوباش، وحقوق المرأة في التعليم كقصيدة علموها، لكنه كان يختلف عن أودن في نظرته الغربية الأفلاطونية للحقوق من حيث الأخلاق والمكان. الجواهري عاش في بلده مقهورًا نوعًا ما، كان فيه المكان نفسه أزمة وحقًا مسلوبًا، لكن ومع هذا كانت نظرته للحقوق مرتبطة بشخص أكثر من ارتباطها بالمكان. الجواهري ولد وترعرع في مدينة النجف. وكان لهذا المنشأ أثر كبير في صياغة رؤيته الخاصة للحل, فهو كان يتطلع دائمًا إلى مجيء ذلك الرجل المخلص الذي سيملأ الأرض عدلًا ويعيد للناس حقوقهم المسلوبه. وبالرغم من وجود شبه كبير بين هذا المعتقد ونظرية السوبرمان لنيتشه، إلا أن أصل المعتقد إسلامي راسخ في العقل العربي منذ عقود، وخصوصًا في العراق، في أشخاص عدة، كالإمام علي والإمام الحسين والمهدي.
كان الجواهري يرى أن المشكلة في اختفاء ذلك السوبرمان العربي وعدم ظهوره، وكان دائم البحث عنه في شعره. رآه تارة في الملك فيصل الأول ثم عدل عن رأيه منقلبا عليه, وتارة أخرى في ياسين الهاشمي حتى عام 1935، ثم في حكمت سليمان في انقلاب عام 1936، لكنه سرعان ماعاد وانقلب عليه معاديًا ومناكفًا؛ حتى أودعه الأخير السجن عام 1937.
وكان الجواهري أيضًا يرى في الثورة الشعبية مفتاحًا لاسترداد الحقوق المسلوبة إلى جانب الحاجة إلى المنقذ. وبلغ به الحال إلى اعتبار الثورة نفسها حقًا من الحقوق. وبالرغم من أن الشاعرين أودن والجواهري كانا شيوعيين إلا أن بينهما اختلافًا كبيرًا من حيث المرجعية الثقافية؛ فالاول رأى نفسه إنسانًا بجلد كلب وديع يدخل بيوت الناس فيقع على أخطائهم ومثالبهم، ثم يعالج مشاكلهم بمحبة ومودة، أما الجواهري فكان يرى نفسه صل الفلا. كان يدخل بيوت الناس أيضًا ليعلمهم لكن على طريقته الخاصة:

أنا حتفهم ألج البيوت عليهم
أغري الوليد بشتمهم والحاجبا

أنا ذا أمامك ماثلًا متجسدًا
أطأ الطغاة بشسع نعلي عازبا

عمومًا، فإن كلا الشاعرين عاشا حوادث متشابهة عام 1939 وكانت لهما مواقف متشابهة أيضًا. كلا الشاعرين وقفا نفس الموقف ضد الظلم المتمثل بالنازية والفاشية، وكلاهما وقفا مدافعين عن مأساة النازحين والمهاجرين: أودن في نيويورك مع المهاجرين من أوربا إلى أمريكا، والجواهري مع مأساة النازحين من الفلاحين من جنوب العراق على خلفية قضية التعابة. ولاجل أولئك الفلاحين الفقراء المطرودين من أراضيهم كتب الجواهري قصيدته الإقطاع. وهذه القصيدة تشبه قصيدة أودن ترنيمة اللاجئين، والتي كتبها في نفس العام، بالرغم من عدم وجود أية علاقة بينهما. هي ليست سوى محض صدفة تخبرنا أن الشعر لا يقل عالميةَ عن الحقوق من حيث ارتباطه بالإنسان.
تناول الشاعران مأساة اللجوء والنزوح، كلٌ في قصيدته، انطلاقًا من رؤيته الثقافية: أودن بأسلوب هادئ وحزين، لكنه يثير مشاعر المسؤولية الاجتماعية في نفس الوقت. وقد حصل له ماتمنى، وإن بعد حين، حيث تأسست في تلك الفترة العديد من المنظمات الإنسانية في نيويورك ولندن لمساعدة اللاجئين اعتمادًا على تبرعات الأهالي هناك. من جهة أخرى فإن الجواهري مزج في قصيدته بين الحزن والغضب؛ ليثير مشاعر الثورة بين الناس كأداة تغيير:

وما أنا بالهيَّابِ ثورةَ طامعٍ ولكنْ جِماعُ الأمرِ ثورةُ ناقم!

فما الجوعُ بالأمرِ اليسيرِ احتمالُهُ ولا الظُلْمُ بالمرعى الهنيءِ لِطاعِم

نَذيرَكَ مِن خَلْقٍ أُطيلَ امتهانُه وإنْ باتَ في شكلِ الضَّعيفِ المُسالم

غداً يستفيقُ الحالمونَ إذا مَشَتْ رواعدُ من غضباتهِ كالزمازم.

وقد حصل للجواهري ماتمناه أيضًا وإن بعد حين. حيث قامت الثورات تلو الثورات ولازالت.. ونحن نعيش وقائع ما يسمى بالربيع العربي. ومع هذا لم تات نتائج تلك الثورات كما أراد لها الجواهري، وإنما العكس. كان السبب الرئيس الذي جعل الجواهري يرى في الثورة حلًا هو الانتداب البريطاني، أي بمعنى آخر إهدار حق الانسان في أرضه. وقصيدة الإقطاع للجواهري كانت صرخة رفض بوجه التوزيع المجحف للأرض حيث كان الإنكليز يمنحون أراضي شاسعة للموالين لهم على حساب العاملين في الأرض من الفلاحين البسطاء. أولئك الإقطاعيين الجدد قاموا بطرد الفلاحين والاستيلاء على الأراضي أو الإبقاء عليهم فيها مع استعبادهم. إذن فهناك عامل خارجي طرأ على المعادلة فغير الأولويات في ترتيب حقوق الإنسان من حيث الأهمية، حيث أصبح الحق في حفظ الكرامة والأرض أهم من حق الحياة نفسه، فيما ظل حق الحياة هو الحق الأهم حيث يعيش أودن.
لا يمكن للشعر أن يخطئ في تصوير الثقافة والبيئة؛ لأنه ببساطة مرآة تعكس واقع الحال، وإن أخطأ فليس من الشعر في شيء. ودليل ذلك أن كلًا من الشاعرين تنبأ بما سيحصل وخاطب جمهوره على أساس ذلك: الأول توسم في جمهوره خيرًا فناشدهم. والثاني توسم فيهم إرادة مسلوبة فألبهم وأجج الغضب فيهم. أما النتيجة فلكم أن تشاهدوها اليوم بأعينكم. لازال جمهور الجواهري بلا حق في أرضهم، فمنهم من يتطلع لثورة أخرى، ومنهم من ينتظر السوبرمان، ومنهم من هاجر إلى أرض الحقوق ملتحقًا بجمهور أودن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد