قراءة لكتاب معالم على الطريق لسيد قطب وتعقيب عليه.

رأيت عددًا من الدعوات المفسدة في كتاب معالم على الطريق الذي كتب بالأساس بأسلوب الجمل السريعة المنمقة بسيطة إلى حد يفهمها العامة وتورد إليهم تلك المعاني التي تجذب العقول وتسيطر على وعي الجماهير بالمغالطة التي تشبه المنطق بدون ذكر دلائل عليها. فيقول في المقدمة:

«إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال. لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية، ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدًا من «القيم» يسمح له بالقيادة. لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي، وتزود البشرية بقيم جديدة جدَّة كاملة – بالقياس إلى ما عرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته. والإسلام – وحده – هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج».

طبعًا يراعى أن تاريخ هذا الكتاب في 1964.

وهذا الكلام أثبت الواقع عكسه تمامًا فلو نظرنا إلى فكرة الحضارة فسوف نجد أنها مثل كرة يسلمها لاعب لآخر في لعبة العالم غير المنتهية، في عصر سيد قطب كان العالم في ظل حرب باردة وقد خرج من الحرب العالمية الثانية وكانت جميع الجهود في أوروبا مقدمة للبناء والتعمير، أما في المعسكرين الغربي والشرقي فكانت الجهود موضوعة في التطوير بينهما وقد أنهيت الحرب بسقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 فهل يحق لنا الحكم على مستقبل الحضارة الغربية في هذا العصر، وقد أثبتت هذة المقدمة فشلها الذريع وها نحن نرى الحضارة الأوروبية تسود العالم بمادية مطلقة في ظل إنهاء عصر الحضارة الروحية وخفوتها تمامًا.

إفساد العقول

وهكذا بدأ الكتاب على باطل وقد دعا الكتاب بين طياته إلى عدد من الأباطيل والمغالطات المنطقية منها:

1. في الفصل الأول يقول الكتاب إن الصحابة كانوا يقرؤون القرآن على سبيل أخذ الحكمة المباشرة منه وقد تم في هذا العصر تغييب السنة النبوية تمامًا حيث لم تدون السنة إلا بعد قرون من الرسول ولم يذكر الكاتب حكمًا أو تعليقًا يتعلق بالسنة المطهرة وهو ما يظهر تغيبًا واضحًا في الكتاب الذي ركز على النص القرآني فقط في الشرح على هواه.

والنص القرآني يحتمل التفسير والتأويل حسب أي وجهة نظر كانت بينما يدلل الحديث عليه في القضايا التي تتعلق بالتفسير، إن هناك أكثر من 300 تفسير سني للقرآن غير التفاسير الشيعية، ونرى أنه لا يجوز أن يؤخذ ثابت القرآن كدلالة عظمى، لأن القرآن نص ثابت جامد يحتمل التأويل والتحويل والاتباع.

2. قام الكتاب على مبدأ العبودية المطلقة لله واستمد الكتاب دلائله من الآية الكريمة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

وعكس هذا هو الأصح حيث قال الله إنه يجعل في الأرض خليفة وقيل في بعض التفاسير إن الخليفة هو آدم وهو الحاكم العادل وقيل إن الخليفة هو جنس البشر فكيف لإنسان أن يخلق للعبودية المطلقة ويخلف في الأرض ويصير مخيرًا وهو في الأساس عبد للمطلق فالعبد لا يخير ولا يترك في الأرض ولا يخلف ولا يحق له الحكم وما شابه فماذا إذن؟ إن الإنسان عبد ولكن ليس للمطلق فهو يحق لة تصرفاته في النهاية.

3. يقول الكاتب أيضًا إنه انتهى عصر التقدم العلمي ويدعو البشرية لنبذ العلم والتفرغ للدين والعبادة وأنها الغاية الأسمى وليست إعمار الأرض.

4. يضع الكاتب مبدأ الجهاد ويقره لمن يرفض قاعدته التي وضعها ناسيًا الحديث الشريف القائل: عن ابن مسعود عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال رسول الله «لا يحل دم امرئ إلا بأحد ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» وطبعًا كلمة يحل هذه لا تفسر بوجوب قتله بل بإزالة حماية الدولة من على الفرد فلماذا تأمر بالجهاد للمخالف من المسلمين في تأويل الرأي الديني وأنت تقول في الفصل الثاني بالتأويل الخاص لكل فرد في الدين في عهد الصحابة. وهنا نجد الكتاب تقريبًا يدعو لتكوين جماعة عالمية تقوم بقتل من يخالف شريعتها بشكل غير مباشر.

5. ما معنى الكلام الوارد بإلغاء القوانين الحديثة والرجوع لقوانين الدين القديمة غير المستحدثة التي لن تماشي العصر بأي شكل؟

6. في الفصل المسمى بـ(جيل قرآني جديد) يقول الكاتب إن الإسلام نشأ على جيل عظيم من الصحابة وعدم تكرار هذا الجيل مرة أخرى كان بسبب أن الناس بدأت تقرأ مع القرآن العلوم الأخرى (يا سلام). إن هذه دعوة واضحة لنبذ العلم والصديق بالجهل وهو ما أرفضه تمامًا.

7. يقول إنّ دين الله ليس غامضًا ومنهجه ليس مائعًا فهو محدد بشطر الشهادة: محمد رسول الله. فهو محصور فيما بلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، من النصوص في الأصول، فإن كان هناك نص فالنص هو الحكم، ولا اجتهاد مع النص! وإن لم يكن هناك نص فهنا يجيء دور الاجتهاد.

السؤال هنا هل هناك نص ديني واحد لا يقبل التأويل ولا يعد تفسيره تأويلًا؟

8. لم يقدم الكاتب في صفحات الكتاب فكرة عملية واحدة تستحق النظر كلها هراءات مجنونة.

عن الكتابة المقدسة

هل يعتبر سيد قطب فيلسوفًا، أم مهرطقًا وفقًا لأفكار معينة تمليها عليه أيديولوجيته، طالما نبذت منع الكتب، لأنها في عالمنا العربي صورية فتقريبًا اشتريت كل كتب سيد قطب في أشد فترة منعًا لكتاباته من سوق الكتب العادي بدون سؤال، واشتريت العديد من الأعمال أيضًا الممنوعة مثل آيات شيطانية ووليمة أعشاب البحر عشرات المرات من عشرات الأكشاك والمكتبات المنتشرة لتقديمها كهدايا أو لأصدقائي، وهذا بالطبع غير توافرها على الإنترنت مجانًا كتبًا إلكترونية.

إن منع الكتب لا يعني إلا إجراء صوريًا، في مصر يسيطر سوق الكتب المضروبة والتزوير على سوق الكتاب ويطبع ويبيع حسب تقدير أحد الباعة جزافًا 5 أضعاف السوق الرسمي، فإذا كان قد طبع في مصر رسميًا 20 مليون كتاب في العام الماضي فنحن أمام 100 مليون كتاب مزور، إنه رقم ضخم للغاية.

وهذه الأسواق تصنع أصنامًا، خضت عشرات المناقشات التي تدعي أن مصطفى محمود (الإعلامي) فيلسوف ومدافع عن الدعوة الإسلامية وشخص عظيم، رغم أن كتاباته مليئة بالمغالطات المنطقية والكذب والتهويل، حاولت أن أبين هذا ولكنها عقول لم تتعود على الانفتاح، فقمت بحركة خبيثة أن وضعت له اقتباسًا يهاجم معتقدًا لدى المتشددين دينيًا، وإذ تنهال التعليقات لتثبت أنه ملحد ولا يجب الأخذ بكلامه في تلك الفترة، فواجهت الناس أن الكتاب كتب في فترة كان مؤمنًا مدافعًا عن أفكارهم ففوجئت بكم ضخم من التبريرات والتأويلات تؤيد كلامه مهما كان، فاستكملت اللعبة ووضعت اقتباسًا لسيد قطب يهاجم السنة النبوية فيه بدون ذكر اسم الكاتب فانهالت الشتائم ولكن بمجرد أن وضعت اسم الكاتب انهالت التبريرات.

إن عقلية الإنسان العربي تعاني مشكلة عظمى هي التصنيم وجعل الكتاب أو من يستغلون الدين يوردون أسماءهم للبسطاء من الناس ويقفون على منصة الصنم كمدافعين عن الدين ضد السلطة الغاشمة أو مدافعين عن السلطة والدين ضد المتشددين الغاشمين وفي الحالتين يتحول الداعية إلى صنم.

على سبيل المثال يقول علي الوردي في كتاب وعاظ السلاطين:

«يقول ابن جبير: إن ابن الجوزي حينما خطب بحضور الخليفة ووالدته «أخذ بالثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته وكنى عنها بالستر الأشرف والجناب الأرأف. ثم سلك سبيله في الوعظ، كل هذا بديهي لا رواية، ويصل كلامه ذلك بالآيات المقروءات على النسق مرة أخرى. فأرسلت وابلها العيون».
الغريب أن ابن الجوزي حين يذكر الخليفة يدعو له ويثني عليه ويرجو أن يمد الله في ظله على الأرض. أما حينما يلتفت إلى رعايا الخليفة فنراه يأخذ بالتهديد والتحذير والتهويل. كأن أفراد الرعية هم الظالمون والخليفة المظلوم».

إن أزمة الإنسان العربي في الأساس أزمة ثقافة، يجب أن تكف أمة النقل والأصل والأثر عن النقل، إن الحل الوحيد في التقدم هو العقل والتفكير ولا حل سواه والله ولي التوفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد