بعد تنصيب رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون رئيسًا للبلاد، تباينت ردود الأقوال والأفعال حول ماهية  الجمهورية الجديدة التي عبر عنها الرئيس طوال برنامجه، ولمح في بعض الأحيان لنقاطها العريضة.

بينما لا يختلف اثنان على أن الجزائر تعيش في جحيم ممارسات قديمة وبالية واقعًا، وتبحث عن مقاربات لجمهورية ثانية جديدة نظريًّا، وهذا الأمر جعل هوة كبيرة بين ما هو متطلع له من أجل جزائر حديثة وبين ما هو مكرس له لجزائر قديمة وعليلة حاضرًا، وهذا ما يمكن أن نسميه الوقوع في فخ تكديس الأفكار، والأدوات، والوسائل، والتجارب، وعدم بناء ما يحتاجه واقع البلاد من توجيه وتطهير، ووضع كل عنصر في محله، وقصدنا اليوم يتطابق وما جاء في حملة السيد عبد المجيد تبون من نقاط أجملها في تحسين القدرة الشرائية، ورفع المستوى العام للأجور، والتماشي مع مقتضيات اقتصاد المعرفة، ومحاولة منح الامتيازات الضريبية في محلها، والذهاب لإدماج الطاقة البشرية الشبابية في مختلف المجالات، ثم إعادة صورة البلد في الخارج دبلوماسيًّا. إن هذه الممارسات هي فعلًا من معين واقع موجود وليست حلولًا لواقع غير معيش، لكن نظرة بناء دولة حديثة بوسائل قديمة لن تجلب لنا سوى دولة تتشبث في مناهج التقليد، وهي تحكي عن صناعة أجيال للمستقبل، وليس بعيدًا عنا وعود الجمهورية السابقة التي مورست فيها أبشع أساليب التهويل، وذر الرماد على العيون، وتقسيم الفتات حسب درجة الولاءات، ومنح ما لا يمكن استرجاعه، كما سوقت فيها أقذر العبارات والشعارات، حتى عبر أحدهم عن حادثة تزكية صورة عبد العزيز بوتفليقة قائلًا كنا حقيقة في الجاهلية، وهذا الأمر يدفعنا للتوقف ثم لطرح السؤال: كيف صار بنا الحال لأن أصبحنا نرى أن الأحياء يستنجدون بالاموات؟ تحت تعتيم وصمت كبيرين كانت معالم الدولة الجزائرية بمفهومها البوتفليقي ناجحة لأبعد الحدود. 

إن مثل هذه الممارسات بهذه الذهنيات لا مكان لها فيما يسمى الجمهورية الجديدة؛ لأن حراك 22 فبراير (شباط) 2019 حرر الجميع، وأعطى بعدًا حقيقيًّا لما يجب أن يكون بدل ما يجب أن نهون أو نخون، وقد رسم خارطة ومسلكًا واضحًا نحو قيام دولة جزائرية جديدة بعيدة عن تصور التموقع، وخدمة الآخر، وشراء الذمم، والسلم الاجتماعي، ومحاولة إيجاد وخلق معارضة سياسية، وثقافية، واقتصادية وهمية ومزيفة؛ ليوهم العامة أن ما يفعله المسؤول هو محصلة إيجابية في النهاية لصالح المجتمع، وقد كشفت اللعبة وأكدها قاضي محكمة سيدي محمد قائلًا للوزير الأول سابقًا، أحمد أويحي، لقد كنتم توهمون الشعب أن الدولة في حالة عجز ويجب أن تستمر مرحلة التقشف من أجل أن تمتلئ حساباتهم، وتتوسع مصالحهم، وتمتد مشروعاتهم.

إن الشعوب الآن تحررت من كل ما يربطها بالتبعية الاقتصادية من خلال التطلع لآفاق عالم جديد آخر، وإذا ما تحدثنا عن حالنا فيجب أن نعتبر أن تجسيد اللغة الإنجليزية مثلًا كلغة أجنبية أولى في المناهج التعليمية، فيجب أن يرقى هذا الأمر لمتابعة عملية صارمة وعقلية، ويخضع لرزنامة زمنية وفرق عمل من أكاديميين ومنهجيين؛ حتى يجري ترسيم هذا الأمر فعلًا، وتكون المحصلة في النهاية ربط المنظومة التعليمية الجزائرية بما يحدث في العالم الحديث، ومن جهة ثانية إذا عالجنا موضوع الاقتصاد فلا يمكن لنا الاعتماد دومًا على المساعدات الاجتماعية كعنصر أول يطرح، بل يجب فهم أن الحديث عن الاقتصاد يدفعنا بداية للبحث في مشكلة الندرة، أي بمعنى آخر البحث عن خلق الثروة وهذا الأمر له أبعاد كبيرة تحتكم لمفاهيم حديثة تجلب الثروة، وتسمح بتنوعها كمفهوم الحوكمة، وترشيد النفقات، واقتصاد المعرفة، ورقمنة المنظومة المصرفية، وفتح المجال أمام حركة الشركات العالمية، وتحسين مناخ الأعمال، والذهاب حتمًا لرفع اليد والتضييق عن التجارة الإلكترونية، ومواكبة الجامعة الجزائرية لما يجب أن يدرس تماشيًا مع المستقبل وليس تماشيًا مع الماضي؛ حتى نتوقف تدريجيًّا عن صناعة جيل جامعي حديث بمخرجات قديمة.

وهنا لا يمكننا حصر كل معاني الجمهورية الجديدة في هذا المقال، لنكتفي بذكر بعض من معالم بناء الدولة الجديدة التي لا يجب أن نبنيها بالأدوات نفسها، ولا يجب أن نتسرع أيضًا في تقدير نتائج بنائها، وهذا ما عبر عنه الشيخ الغزالي، رحمه الله، قائلًا في معنى كلامه إنه لا يمكن أن تملئ معدة مؤمن بالتقوى وهي فارغة، ولا يمكن أن تكسو جسمه بالهدى وهو عارٍ، لذاك لا بد من التمهيد الاقتصادي الشامل؛ أي لا بد من وضع خطط وتصورات وفق منهج عملي محدد بزمن، وقابل للقياس، هناك فقط يمكن لنا أن نحكم على الممارسات التي وجهت من أجل تكريس لدولة قديمة لمفاهيم حديثة، أو تشييد لدولة حديثة بأساليب متينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد