مع عدم رغبتي بوضع تصنيفات دينية أو إثنية أو عرقية خلال تدوينتي، إلا أنه أحيانًا يتطلب ذكر بعض التصنيفات لإيصال رسالة هامة لكل القارئين، ومن هذه التدوينة أريد أن أوصل رسالة أن الإنسانية التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان لا تخضع لشروط دينية أو سياسية أو عرقية أو طائفية أو جغرافية، الإنسانية هي وليدة قلب وضمير ينبضان بالخير، يرفضان الظلم أيًا كان.

فيليتسيا لانغر ألمانية الأصل، ولدت في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) لعام 1930، في بولندا، لأبوين يهوديين، تعرضت عائلتها لظلم الحملات النازية في ألمانيا، وغادرتها إلى الاتحاد السوفيتي، وتزوجت عام 1949 من ميتشيو لانغر وهو أحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية، ثم هاجرت إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1950 ضمن هجرة آلاف اليهود إلى أرض فلسطين المحتلة لإقامة دولتهم وفق وعد بلفور الذي أعطت فيه بريطانيا الحق لليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين.

لم تكن لانغر كأي يهودية هاجرت إلى دولة الاحتلال، إنما جعلت من بصيرتها عينًا أخرى ترى بها الواقع، بينما كانت تنتمي فكرًا إلى اليسار الشيوعي السوفيتي، فقد حصلت خلال مكوثها في دولة الاحتلال الإسرائيلي على شهادة في القانون من الجامعة العبرية عام 1965، عملت لفترة قصيرة لمكتب للمحاماة في «تل أبيب»، وسرعان ما عايشت أحداث «النكسة» العربية عام 1967، التي شكلت نقطة تحول في حياة الإنسانة لانغر، حيث أعربت عن معارضتها لسياسات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وخاصة الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فأنشأت مكتبًا للمحاماة خاصًا في القدس المحتلة للدفاع عن الأسرى الفلسطينين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

ولم تكتفِ لانغر بالدفاع عن الأسرى الفلسطينيين أمام محاكم الصلف الإسرائيلي، إنما وثّقت شهادات الأسرى ومعاناتهم القاسية التي يتعرضون لها داخل معتقلات الاحتلال الإسرائيلي التي يفوق عددها أكثر من 20 سجنًا وداخلها أكثر من 7 آلاف أسيرًا فلسطينيًا خلال آخر إحصائية لنادي الأسير الفلسطيني –وكان في وقت لانغر يصل عدد الأسرى أكثر من 4 آلاف-، وأصدرت عددًا من الكتب فكان عنوان كتابها الأول «بأم عيني» في سبعينيات القرن الماضي، ويعتبر أهم كتاب يؤرخ لحركة المقاومة الفلسطينية المبكرة بعد يونيو 1967، كما أحدثت لانغر ضجة كبيرة في صفوف السياسيين الإسرائيليين عندما وثقت شهادات ومعاناة الأسرى وتعرضهم للتعذيب المميت في سجون الاحتلال الإسرائيلي خلال تقرير نشرته «صنداي تايمز» في لندن عام 1977، ما جعلها محل انتقاد إسرائيلي واسع، وتهديد أيضًا.

عام 1990 غادرت لانغر دولة الاحتلال الإسرائيلي عائدة إلى ألمانيا، وذلك بعد أن عاشت سنوات طويلة في أروقة محاكم ما يسمى بالقضاء الإسرائيلي، وأعربت عن سبب مغادرتها قائلة «عايشت بأم عيني سنوات الحكم العسكري للأراضي المحتلة، وهناك من يدعون أن الاحتلال إنساني وليبرالي وما رأيته يختلف تمامًا هناك قمع، وسيطرة وسحق لإنسانية الإنسان، أنا جزء من إسرائيل الأخرى، أنا مع العدالة وضد كل من يعتقد أن ما يترتب على المحرقة هو الكراهية والقسوة وعدم الحساسية، قررت أنه لا يمكن أن أكون ورقة التين لهذا النظام بعد الآن أريد ترك بلدي ليكون نوعًا من التظاهر والتعبير عن اليأس والاشمئزاز من النظام… لأننا لسوء الحظ لا نستطيع الحصول على العدالة للفلسطينيين».

لانغر كالعديد من اليهود الذين أبصروا الواقع على حقيقته ورفضوا أن يكونوا جزءًا من نظام أبارتهايد يقيم دولته على أنقاض الحضور الفلسطيني الأصلاني على أرض فلسطين، فهاجروا إلى أصولهم من حيث جاؤوا، اليهود الذين لا مشكلة سياسية ولا دينية بيننا وبينهم طالما هم بعيدين عن ممارسة الاحتلال لأرض فلسطين.

العدالة والإنسانية والكرامة التي بحثت عنها لانغر طيلة حياتها ولم تجدها في دولة الاحتلال كانت تؤرقها دومًا، لانغر الإنسانة الباحثة عن العدالة في عقر دار الظلم الإسرائيلي لم يخبت نورها بمجرد مغادرتها لأرض فلسطين المحتلة، إنما ظل صوتها صادحًا مطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني، حتى ثار عليها إسرائيليون يرون أنها تعكس صورة الظلم والاحتلال الذي يُمارس على الشعب الفلسطيني على حقيقته.

نالت لانغر عام 1990 جائزة الحق في الحياة لشجاعتها المثالية في نضالها من أجل الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وحصلت في عام 1991 على جائزة «برونو كرايسكي» للإنجازات المتميزة في مجال حقوق الإنسان، وفي 2009 منحها الرئيس الألماني هورست كولر وسام الصليب الفيدرالي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، ما أثار جدلًا كبيرًا، إذ حمل المجلس المركزي ليهود ألمانيا على الحكومة الألمانية بشدة، لأنها كافأت شخصية عملت باستمرار على «شيطنة إسرائيل».

ومن مؤلفاتها:
«بأم عيني»(1974)
«هؤلاء إخواني» (1979)
«من مفكرتي» (1980)
«القصة التي كتبها الشعب» (1981)
«عصر حجري» (1987)
«الغضب والأمل» (1993) (السيرة الذاتية)
«الظاهر والحقيقة في فلسطين» (1999)
«تقرير ميتسيو، الشباب بين الغيتو وتيريزينشتادت» (1999)
«الانتفاضة الفلسطينية الجديدة» (2001)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد