ذكرنا بالمقال الافتتاحيّ للسلسلة ثلاثةً من جُملةِ الأسبابِ التي اعتمد عليها المفكّر الراحل محمّد عابد الجابريّ في ترجيحه لكفّة انحباس الفكر باللّغة والتي كانت تتلخص في أنّ علوم اللغة كانت هي الأولى من حيث كونها عمل منظّم ذو قواعد والتي صارت، كونها جاءت أولا، نموذجا لما بعدها من العلوم. ولم يكن هذا ليحدث بالطبع إلا لكون النص الديني عربيا في حدّ ذاته مما أضفى قداسة على اللغة فوق قداستها التي كانت عليها مما رسّخ سطوتها، ما أدّى في النهاية إلى جعل أصحاب القواميس والمعاجم أن يحنطوها بقصد الحفاظ على الجوهر الأعرابي القحّ للّغة واعتبار كل ما عداه دخيل عليها وهذا ما أدّى، وفق سياق استشهاد الجابريّ بنظرية الفيلسوف الألماني “هردر”، إلى انحباس الفكر داخل اللغة من حيث وجود معانٍ لا يمكن التعبير عنها باستخدام العربية “الفصحى/الرسمية” بسبب انغلاقها على نفسها إثر حفظها أو، بحسب تعبير الجابريّ، تحنيطها بأيدي أصحاب المعاجم المتعاقبين.

نستكمل في مقالنا هذا، بإذن الله، باقي النقاط/القرائن التي بنى عليها الجابريُّ وجهةَ نظرِهِ وهذا بدءا من
النقطة الرابعة:

  1. يصف الجابريّ عملية تأسيس علم اللغة العربية أو صناعتها بالمعجزة لا أقل بل ويجعلها هي معجزة العرب كما الفلسفة معجزة اليونانيّين, بسبب المجهود الرهيب والمنهجيّة الدقيقة التي اتُّبِعَت وكذا “السرعةُ الّتي تمَّ بها الانتقال بلغةٍ قائمةٍ على الفطرةِ والطبعِ, إلى لغةٍ قابلةٍ لأنْ تُكْتَسَب وتُتَعَلّم بنفس الطريقةِ التي يكتسب بها العلمُ طريقة المبادئِ والمقدّماتِ والمنهجيّةِ الصارمةِ، ثم يضيف الجابري بلهجةٍ أكثر وضوحاً “إنّه الانتِقَالُ باللغةِ العربيةِ منْ مُستوى اللاعلمِ إلى مستوى العلمِ“.

يرى الجابريّ، على اندهاشه وإبداء إعجابه الشديد بهذه المنهجيّة الدقيقة، أن تلك المنهجيّة والتي اتبعها “الخليل ابن أحمد” في معجمه كما ساعدت على حفظ اللغة من اللحن والتغيّر، والذي كان نتيجةً حتميّة لاتساع الرقعة الإسلامية لدرجة أن أصبحت الأكثرية من غير العرب، فإنّها قد أدّت على الجانبِ المقابلِ إلى تحنيط اللغة وتحجيمها وكذا “ضيّقت فيها القدرةَ على مسايرةِ التطوّرِ والتجدّدِ

يبدأُ الجابريّ، ولتوضيح مكمن العيب، بسرد منهجيّة الخليل ابن أحمد والتي نلخّصها لكم في الآتي:

  • إذ بعد ترتيب الأحرف الهجائية في معجمه “كتابُ العيْن” انطلاقا من حروف الحلق إلى حروف الشَّفَتَيْن، وبغضِّ النَّظَر عمّا قيل في أنّ هذه طريقة علماء السنسكريتيّة الهنود، استخرج الخليل ابن أحمد، و انطلاقا من الإمكان الذهني بغير اعتبار للإمكان الواقعي، من الحروف الهجائية الثمانية والعشرين كل المجموعات الفرعية والتي تشتمل على حرفين إلى خمسة حروف ثم بدأ في تركيبها سويّا ومرّ على الكلمات الناتجة، وعددها كما قال الجابري 12 مليونا و305 ألفا و412 كلمة، الواحدة تلو الأخرى ليرى إمكانها الواقعي, وهل هي مستخدمة في اللغة حقيقةً وموجودة أم لا. بالطبع لم يكن باستطاعة الخليل ابن أحمد إنهاء هذا المشروع فكان الشاغل لمن أتى بعده “محصورا، أو يكادُ، في إتمامِ هذا المشروع“.

على الرغم من إشادة الجابري بصرامة المنهج ودقّته وجوهره الرياضيّ الراقي إلا أنّه رأى فيه طغيانا من المنطق على الواقع, لأنّ المشكلة حسبما قال “أنْ يكون المنطق في خدمة الواقع الحيّ لا العكس” وبالتالي “وجدنا أنفسنا أمام طريقة لـ”صنع” اللغة وتحجيمها في قوالب صلبة وثابتة” ما أدّى في النهاية، كما كررنا مرارًا، إلى انسداد القدرة على التجدّد والتطوّر.

إلا أنّ الجابريّ رأى أن ما فعله الخليل لم يكن إلا جانبا واحدا من جانبي العقبة التي حالت دون انفتاح اللغة على التطوّر, حيث كان الجانب الآخر، وهو في حقيقته نتيجة لما شرعه الخليل في منهجه، هو الاعتماد على السماع من أهل البادية الذين لم يصبهم ما أصاب أهل الحضر من لحنٍ في القول ما أدّى إلى استغلال بعض البدو لاحتياج أهل اللغة لهم، والذي بلغ به المدى أن اعتبرهم بعض أهل اللغة معصومون من الخطأ في اللغة، كضابط سمعيّ, فبلغ بهم الحال أن شدّوا الرحال إلى البصرة والكوفة كرواة للّغة والنادر من الألفاظ العربيّة.

تعجّب الجابريُّ من اعتماد ذلك المنهج كوسيلة لحماية القرآن من اللحن مع عدمِ اعتمادِ لغةِ القرآن نفسها كمرجعٍ للحفاظ عليه, مع أنّها “أفْصَحَ وأبْيَن“، لكنّ تعجبّه يزولُ حينما يجد أنّ السبب الحقيقيّ هو “إيجاد لغة ماوَرَائيّة تكون إطارا مرجعيّا له على مستوى معاني الكلمات والتعابير المجازية” ويدعمه قولٌ يُروَى عن ابنِ عبّاس أنّه “إذا تعاجم شيءٌ من القرآن فانظروا في الشعرِ، فإنّ الشعرَ عربيٌّ” وقد ساعد هذا المبدأ في الظهور أنّ الكلمات لم تكن حينئذ منقوطة ولا تزدان بالحركات التي توضّح كيفيّة النطق بها.

كلّ ما سبق أدى إلى تسرّب الروح البدوية إلى اللغة فجمّدتها وخنقتها بل إنّ ما زاد الأمر سوءا كان الاتجاه لاحقا إلى وقف الاعتماد في مسائل الصرف والنحو عند منتصف القرن الثاني الهجري لتصبح النتيجة، حسبما استنتجها الجابريّ، أنّ الأعرابي هو صانع العالم العربيّ وهو عالمٌ “ناقصٌ فقيرٌ ضحْلٌ جافٌّ حسّيٌّ-طبيعيٌّ لا تاريخيّ“.

  1. يعتقد الجابريُّ أنّ اللغةَ العربيةَ سماعيّة في أصلها معتمدة في لُبّها على الربط بين معنى الكلمة وصوتها حسبما استشهد الجابري بقول أحد الباحثين المعاصرين له وهو محمّد المبارك في كتابه “فقه اللغة وخصائص العربيّة” لكنّ صاحبنا، وعلى العكس مما رأى المباركُ فيما ذكر من ميزةٍ للعربية، رأى ذلك مكمّلاً لحسّية اللغة كما ذكر في النقطة السابقة وهو على الرغم من اتفاقه مع المبارك في أنّ “الصورة الصوتيّة هي التي تعطي المشتقّات دلالتها المنطقيّة” كذا” فقد اتّخذ العرب في لغتهم للمعاني العامّة أو المقولات المنطقيّة قوالب أو أبنية خاصّة, فجعلوا للفاعليّة والمفعوليّة والمكان والزمان والسببيّة والحرفة والأصوات والمشاركة والآلة والتفضيل والحدث ولمعانٍ أخرى كثيرة صيغا خاصّة وقوالب” وأنّ هذه الأبنيةُ تعلّم أبناء العربيّة المنطق والتفكير المنطقيّ مع لغتهم بأسلوب فطريّ.

إلا أنّ الجابريَّ يرى خلافا للمبارك أنّ هذه الأبنية لم يصنعها أهل السليقة والفطرة بقدر ما صنعها النحاة, والدليل على ذلك وجود الكثير من الشواذ التي تأتي في صيغة “فاعل” مثلا وتعني في حقيقتها “مفعول”.. إلخ وهو ما يدعمه الجابريُّ برواية قول أحد الأعراب لبعض النحاة “إنّكم تتكلّمون في كلامِنا بكلامٍ ليس من كلامنا” ذلك أنّ فعلةَ النحاةِ هذه قد ضاعفت الاصطناع في اللغة. حينئذٍ لا يكون الأمر غريبا إذا ما “لاحظَ المرءُ أنّ النغمةَ الموسيقيّةَ في اللغةِ العربيّةِ تُعوِّضُ، أو تغطّي فقرَ المعنى” لأنّه “معروفٌ في اللغة العربية أن الأذن التي “تستسيغ” وليس العقل“.

  1. يُدْخِلُ الجابريُّ متّهما آخر في جريمة تحنيط اللغة وكبح وكبت قدرتها على التجدد والتطوّر وهم البلاغيّيون الذين، حسبما ذكر الجابريُّ، جعلوا العصرَ الجاهليَّ مقياسا ومرجعا يُرَدُّ إليه العملُ الشعريُّ للوقوف على مدى جودتِه مستشهدا بمقولة للجاحظ بأنَّ “من تمامِ آلةِ الشِّعْرِ أنْ يكون الشاعر أعرابيّا” أو أقرب ما يكون من الأعرابيِّ” في قوّةِ ألفاظه وطرائق تعبيره وأنواع تشبيهاته” حينها تصبح هناك عودة دائمة إلى تلك المرجعيّة الأعرابيّة التي رسّخها أوائل النقّاد البلاغيّين كذا المتأخّرين ما يقتلُ، بالتالي، كلَّ محاولةٍ للخروج على هذه المرجعيّة التي بسببها يقول أبو عبد الله ابن الأعرابيّ عن أشعار المحدثين بأنّها “بمنزلة الريحان، يشمّ يوما ويُرمى في المزبلة“.
  1. النقطة السابعة والأخيرة لا تخرج عن كونِها تأكيدا وتلخيصا سريعا للنقاط الواردة بهذا المقال والمقال السابق مدعّما ببعض الاستشهادات لأحمد أمين من كتابه “ضحى الإسلام – الجزء الأوّل” والتي يفرّق فيها بين أدب الأعراب وأدب العصر العبّاسي حينما بلغت الحضارة العربيّة الإسلاميّة قمّتها وأوجها، ومن ثَمّ يتسائل عن قابلية العقل العربي لسهولة استيعاب أولهما واضطراره مع ثانيهما إلى “أن ينحرف بعض الانحرافِ ليفهَمَه” لكنّه سُرعان ما يجيب عن هذا السؤال بأنّ أولهما لا تجد فيه “عمقا في تفكيرٍ ولا إمعانا وفلسفةٍ في التعبيرِ” بحسب تعبيرِ أحمد أمين في كتابه المذكور آنفا وهذا مرجوعه إلى عالم الأعرابي الحسّي البسيط الذي جُعل نقطةَ مرجعٍ للحكم على الجديد فصارت اللغةُ خانقةً للفكر العربيّ.

كان هذا تلخيصاً لنقاط/قرائن الجابريّ التي ساعدته على الخروج بنتيجة انخناق الفكر باللغة والتي رآها أحد الإشكاليّات التي عرقلت نهضة العقل العربيّ، لكنّها قد لا تبدو، أو لا توجد أصلاً، إشكاليّةً في نظر بعضهم وهذا ما سنراه في المقالات المتبقية من السلسلة إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفكر, اللغة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد